صحيفة الحدث >>
أرواح القاعدة التسعـــة

 

 

القاعدة؛ هذا الاسم و مسماه دخلا فعلا إلى القاموس اليومي للصحافة العالمية و حتى لعامة الناس منذ 11 سبتمبر 2001، بعد الهجوم المذهل بالطائرات الانتحارية على مركز التجارة العالمي في نيويورك و البنتاغون في واشنطن. المنظمة التي أنشأها عبد الله عزام "الفلسطيني الذي أدار ظهره لفلسطين" و أسامة بن لادن "الوريث السعودي الباحث عن مغامرات جادة" وأيمن الظواهري الآرستقراطي المصري"المتآمر منذ الصبا" في ضواحي أفغانستان، أصبحت فجأة أكبر المنظمات الإرهابية العالمية. تحارب الاحتلال في العراق، و تقاتل مع طالبان في كابول و إسلاماباد، و تهاجم الأساطيل الغربية في اليمن، و تؤازر الشباب المجاهدين في الصومال و تتلقى بيعة الراديكاليين الإسلاميين في المغرب العربي و تعيرهم اسمها.

فما هي القاعدة إذن؟ و كيف تمكنت من العيش بتسع أرواح متتالية في عشرين سنة؟ ما هو مسار المنظمة و شخصياتها البارزة، و واقعها و آفاق نضالها المستقبلية؟، هي مواضيع كتاب نشره جان ابيير فيليو العام الماضي صدر عن دار "فايار" للنشر تحت عنوان : "أرواح القاعدة التسعة"؛ يقسم فيه تاريخ هذا "الغول" الذي يموت ويحيى أكثر من مرة، إلى تسع مراحل يطلق على كل واحدة منها تسمية تتعلق بواقع المنظمة أو أولوياتها المرحلية أو منطقة عملياتها. يتساءل جان ابيير فيليو الذي راجع الكثير من الوثائق واعتمد على العديد من الكتب المرجعية في الموضوع في بداية كتابه : " هل للقاعدة حياة بعد أوباما؟"، مؤكدا أن انتخاب الرئيس الأمريكي الأسود كدر كثيرا على قيادة المنظمة، الذين كانوا يتوقعون فوز الجمهوري ماكين، مما يعني استمرار الحرب بل و مضاعفتها، و هو ما يخدم، حسب الكاتب، خطط و برامج بن لادن و نائبه أيمن الظواهري. وهكذا يقول فيليو، بدأ بن لادن مباشرة في الهجوم على أوباما والتنقيص من شأنه، مزايدا في الدعوة إلى الحرب في الوقت الذي دعا فيه أوباما إلى المصالحة التاريخية في خطاب القاهرة المشهور في يونيو 2009.

ويتوقف الكاتب عند كل واحدة من هذه المراحل التسع التي مرت بها المنظمة، ساردا الوقائع و معرفا بالشخصيات و محللا أقوالها و أفعالها، بفراسة أستاذ السوسيولوجيا وتجربة العارف بالمجتمعات الشرقية.

مرحلة المنشأ أو "الإنجاز الأكبر" و تغطي الفترة(1988-1991)

يتحدث الكاتب هنا عن ظروف نشأة المنظمة، و كيف أن لقاء زعمائها الثلاثة عزام و بن لادن و أيمن الظواهري و أفكارهم الجهادية وطبيعة الواقع العربي الإسلامي ساعدت على توسيع الجهاد الدفاعي الأفغاني ضد السوفييت، بفتوى من عزام، إلى جهاد شامل، يجب على كل مسلم في أي شبر من الأرض مادامت العقيدة مهددة من الكفار.

تنتهي المرحلة و "الروح الأولى للقاعدة "، و يسميها فيليو مرحلة تساؤلات وبحث عن الذات، بتحول الموقف السعودي من القضية الأفغانية، و سفر أو تسفير بن لادن عام 1991من أفغانستان إلى باكستان، ممتعضا و لكنه عازم على إطلاق الجهاد الشامل.

أما المرحلة الثانية أو"المنفى في السودان" (1991-1996)

فتبدأ بتلقي بن لادن دعوة من حسن الترابي، لزيارة السودان و الذي يحكمه الجنرال عمر حسن البشير، وهو في حلف قوي آنذاك مع الزعيم الإسلامي حسن الترابي. والدعوة طبعا من الترابي، و كانت بالنسبة للقاعدة بمثابة بعث للمنظمة و إعطائها نفسا جديدا، حيث أصبحت الخرطوم، يقول الكاتب، مركزا جديدا لها و منطلقا لإعادة ترتيب صفوفها و أوراقها التنظيمية. ويؤكد الكاتب أن هذه المرحلة رأت تحولا في أهداف القاعدة، حيث استبدلت الهدف السوفييتي بالهدف الأمريكي.

و هذا طبعا ما يعطي للمرحلة الموالية تسميتها ب "الرهانات الأمريكية" (1996-1998). و يشرح فيلي في هذا الجزء من كتابه كيف دخلت المنظمة في عولمة أهدافها و عملها، و كيف ساعدها التواجد الأمريكي - عسكريا كان أو غيره - في عدة مناطق من العالم الإسلامي على توسع قاعدتها و تزايد المتعاطفين معها، مستذكرا هنا أحداثا هامة في تاريخ القاعدة مثل تفجير السفارات الأمريكية في نيروبي و دار السلام(7 أغشت 1998). في نفس الوقت، أطلق الملا محمد عمر هجوما شاملا في شمال أفغانستان، معلنا عن قيام "دولة الجهاد الأفغانية"(1998-2001) التي لعب فيها بن لادن دور الممول و المخطط للإرهاب حسب الكاتب، مستأنسا بتصريحات الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلنتون، و ملمحا أكثر من مرة إلى دور المملكة العربية السعودية و نظامها الوهابي في ذلك الجزء من العالم الإسلامي و تداعيات الجهاد فيه.

"الروح الرابعة للقاعدة تم خلالها أيضا التحضير لهجوم 11 سبتمبر المروع، الذي يخصص له المؤلف عدة صفحات من كتابه، متخلصا أن تلك العملية و ما صاحبها من أوج للقاعدة، كانت أيضا بداية تدهور للدولة الجهادية الأفغانية، حيث وقع الملا عمر و أنصاره من الجهاديين، خاصة بعد مقتل أحمد شاه مسعود، تحت سيطرة بن لادن، الذي أصبح "يدير" ، بحكم الأمر الواقع، الجهاد في المنطقة وذلك بمجرد أن تفجرت الحرب الانتقامية الأمريكية في تورا بورا و غيرها، مما سرع في انهيار دولة طالبان في كابول و تنصيب كرزاي و حكومته المدعومين من أمريكا التي ترعى نظامهما بنفسها و بجنودها. بالنسبة لبن لادن، لم يدم زهو 11 سبتمبر طويلا، إذ سرعان ما تلاه "انهيار المعبد" تحت قنابل الطائرات الأمريكية النفاثة، و التحول من مهاجم مغوار يدك أمريكا في عقر دارها إلى مطارد في جبال أفغانستان الجليدية(2001-2003).

انهار نظام طالبان، و ندد العالم الإسلامي بأسره بهجوم 11 سبتمبر، ولم يحدث في العلاقات السعودية -الامريكية الشرخ الذي كان يعول بن لادن على حصوله دخلت حربه مع "الشيطان الأكبر" مرحلة حرب أعصاب، فطفق هذا الأخير يجرب حظه في مناطق توتر أخرى، خاصة في العالم العربي في "حملة الجزيرة العربية" (2003-2004) : العراق، ثم بعد ذلك المغرب العربي.

أرواح القاعدة الثلاث المتبقية و يسميها الكاتب على التوالي ب "دماء العراق" (2004-2006)، و"خلافة الظلام" (2006-2007)، و أخيرا "الهروب إلى الأمام" (2007-2009)، يصف فيها فيليو منظمة مطاردة في شتى أنحاء العالم، تضرب و توجع في بعض الأحيان، و لكنها عاجزة عن تشكيل خطر بحجم هجوم 11 سبتمبر 2001. ويختم المؤلف كتابه بفصل يخصصه لنقاط قوة و نقاط ضعف الجهاد الشامل. فيضع في الخانة الأولى العولمة الجارفة و ما تسهله على بن لادن من خطاب إيديولوجي، وسرعة اتصال و سخط الشباب و فئات واسعة من البشرية تجعلها فريسة سهلة للتجنيد الجهادي. و يضع في الخانة الثانية عكسية العمل الجهادي لزعيم القاعدة، حيث أصبحت حربه اليوم "حربا على الإسلام" لا له، و حيث ظهر تعارض في الوجهات و الرؤى بين دعاة الجهاد "الوطني" و الجهاد "الشامل"؛ إضافة إلى انعدام "قاعدة" ثابتة بالمعنى الجماهيري و الجغرافي و الإستراتيجي.و هذا ما يجعل فيليو يتساءل في الصفحات الأخيرة من الكتاب عن مستقبل القاعدة، فيرى ثلاث احتمالات : أحدها الانقسام وانفلات عقد المنظمة وثانيها و حدوث هجوم غربي على دولة إسلامية(إيران مثلا) مما سيعطي المنظمة نفسا جديدا، وثالثها تراجعها وانكماشها إلى مواقعها الأصلية في أفغانستان وباكستان، وفي جميع الأحوال سيظل مفهوم الجهاد الشامل هو الجهاد المحدود مفاهيم متأرجحة تأرجح الولاءات والمصالح في عالم يتشكل باستمرار.

الرأي المستنير

Bookmark and Share
الاسم*
موضوع التعليق*
نص التعليق*
شروط نشر التعليق:
- أن لا يزيد طول التعليق عن (550) حرف.
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان.
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
اخر مقالات الكاتب
السجل
الأكثر قراءة