حقوق وحريـات
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك

اليمن: في سجن البحث الجنائي.. انتهاك للآدمية

الثلاثاء 27 مايو 2008 11:20 مساءً

في حكايتها دموع، وفي عينيها حزن وإصرار، وفي تفاصيل قضيتها أكثر من جريمة يرتكبها الآخرون أحيانا في السر، وأحيانا في العلن، وفي عيون طفليها حديث لم يحن الوقت بعد للبوح به..

 

أنيسة الشعيبي، ضحية غياب القانون عن كواليس وزارة الداخلية وسجونها، التي دخلتها بتهمة قتل زوجها، الذي كان حينها سجينا في أحد السجون التابعة لذات الوزارة .

 

 

قبضوا على أنيسة في منتصف الليل، في شهر رمضان 6/11/2003م، وبعد خمسة أيام من دخولها السجن، فتح معها أول محضر تحقيق وهو المحضر الوحيد، وبعد 38 يوما من سجنها في سجن البحث الجنائي، أحيلت إلى النيابة، وبعد عشرة أيام نقلت من سجن البحث إلى السجن المركزي.

 

 

تقول أنيسة الشعيبي، إنها وجدت على الجدران كتابات لضحايا تشكوا إلى الله جرائم ارتكبت بحقهن في السجن، وتقول إنها كانت تنام بشكل غير طبيعي بعد الأكل الذي يقدم لها في السجن، ثم تجد نفسها في حالة غير طبيعية بعد أن تصحو، في إشارة منها على ما يبدو إلى احتمال تعرضها لاعتداء جنسي.

 

 

يقول ابنها هارون: "شلوا أمي ناس مسكوها وطلعوها فوق سيارة، وبعدين دخلوا ناس ملثمين، كأنهم سود واحد ضربني على راسي لوما كان عيكسره، وبعدين دخلوا كسروا الشنطة حق أمي، وشلوا حاجات ومشيوا، وبعدين جو ناس شلوني أنا وأختي، طرحونا في سجن مليان رجال".

 

لم يعرض على أنيسة أمر قبض، ولم تعرف تهمتها ولم تعرض على التحقيق إلا بعد خمسة أيام من إلقاء القبض عليها.

 

يقول العميد رزق الجوفي في محاضر التحقيقات، إنه لم يعرف بوجود أنيسة في السجن إلا بعد يومين من سجنها، ليكون السؤال ومن الذي كان يعرف قبل اليومين؟ ولماذا لم يتعامل معها بالإجراءات القانونية حين عرف وجودها؟ لم يجب رزق الجوفي عن هذه الأسئلة.

 

وتقول أنيسة، إنها تعرضت للضرب والإهانة داخل السجن بعد أن عرف مكانها رزق الجوفي، ثم طلب منها رزق الجوفي أن تخرج من سجن البحث الجنائي، لكنها رفضت وطلبت إحالتها إلى النيابة.

 

حدث هذا قبل ما يقارب الخمس سنوات من اليوم، وبعد سجنها أصبحت أنيسة الشعيبي قضية رأي عام، وفي قضايا الرأي العام يستمر الضحايا ضحايا، ويبقى المتهمون في أماكنهم، أو يزداد الضحايا بؤسا، ويسحق الرأي العام مراكز قوى لصالح مراكز قوى أخرى.. فماالذي حدث في قضية أنيسة الشعيبي

 

في 11/7/2006م رفعت النيابة مذكرة للنائب العام، للاطلاع على النتائج التي توصلت فيها بشأن إتهام العميد رزق الجوفي مدير البحث الجنائي بأمانة العاصمة وعلي الجعدبي، بأنهما قاما بحجز حرية أنيسة الشعيبي بدون مسوغ قانوني .

 

وكان رزق الجوفي هو صاحب النصيب الأوفر من العقوبة المفترضة في القضية، لعدة أسباب جوهرية، أولها أنه صاحب الصلاحية الوحيدة لإصدار أمر الإفراج عنها، أو إحالتها إلى النيابة، وتأخر في ذلك لمدة طويلة، والثاني أنه على الرغم من أن تهمتها كانت في جرائم القتل والاعتداء، إلا أنه تم تحويلها إلى قسم الآداب دون مسوغ، سوى أنه في قسم الآداب يوجد كادر نسائي، وهو مبرر هزيل لأن هذا الكادر لم يكن له دور، والضابط الذي قام بالتحقيق لم يكن من الكادر النسائي.

 

ورغم تكرر طلبات النيابة للعميد للحضور للتحقيق، إلا أن العميد الجوفي تأخر كثيرا في الاستجابة لطلب النيابة للتحقيق معه بسبب انشغاله بالانتخابات الرئاسية والمحلية، ثم أحيلت القضية للتحقيق مع آخرين، منهم رئيس قسم الآداب في البحث الجنائي، إلا أن محامي الشعيبي أصر على خضوع الجوفي للتحقيق، وقد كان.

 

عقدت المحكمة ثلاث جلسات في القضية دون علم المجني عليها، أو موكليها الذين لم يعلموا إلا بموعد الجلسة الرابعةعن طريق الصدفة، وعلى الرغم من طلبهم فرصة لتقديم فرصة لعرض دعواهم بالحق الشخصي والمدني، إلا أن القاضي رفض الطلب بحجة أنه سبق أن تم إبلاغهم عبر التلفون، على الرغم من أن القانون ينص على أن الإبلاغ يتم عبر إعلان الأطراف إلى مواطنهم.

 

وما بين 6/11/2003 و 14/4/2008م الأول تاريخ سجنها، والثاني تاريخ الحكم الابتدائي الذي صدر في قضيتها، عاشت أنيسة الشعيبي أسوأ أيام حياتها التي لا تزال مستمرة حتى الآن.

 

وصدر الحكم الذي قضى ببراءة العميد رزق الجوفي، كما أمر القاضي بأن يكتب الجوفي تعهدا بأن لا يسيء استخدام الوظيفة العامة، وحكمت المحكمة أيضا بالسجن لمدة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، بحق العقيد صالح الصالحي، رئيس قسم التحقيقات في البحث الجنائي، وتغريمه مليون ريال، غير أن منطوق الحكم اختلف كثيرا عن مسودته لدرجة تثير الشفقة، حيث كان في منطوق الحكم "المسجل" ما يدل على قناعة القاضي بإدانة رزق الجوفي الذي حكم القاضي حينها بأن عليه أن يتعهد أن يلتزم بالقانون، وهو الأمر الذي تم حذفه من الحكم المكتوب.. ألا تعتقد عزيزي القارئ أن هناك "أصابع أمنية" تتحكم في سير القضية؟

 

تقول أنيسة الشعيبي إنها لم تشك بالصالحي، وعندما سألتها هل هو بريء قالت لي "هو يعرف المجرمين الحقيقيين، وإذ هو شجاع عليه أن يفضحهم".

 

متابعو قضية أنيسة الشعيبي، فوجئوا بالحكم وخاصة بتبرئة الجوفي وإدانة الصالحي، على الرغم من أن اسم الصالحي لم يرد في أوليات القضية مطلقا، ولم يكن في الملف المرسل من نيابة استئناف شمال العاصمة، سوى شخصين هما رزق الجوفي وعلي الجعدبي، ورغم أن عضو النيابة كان متحمسا للتحقيق مع 12 ضابطا وردت أسماؤهم في محاضر التحقيقات الأولية إلا أن ذلك لم يحدث، بل غاب منفذو عملية الاعتقال وغاب المتهمون بضرب أنيسة في السجن، ولم يتم التحقيق في أقوال أنيسة عن تحرش جنديات الشرطة النسائية بها في السجن.

يقول الصالحي "هناك من يريد أن يجعلني ضحية قضية رأي عام، وتخيلوا أن الصالحي هو الضحية الأسهل لتقديمه كبش فداء.. كانوا يتخيلوا أنني لن أستطيع أن أتعامل مع القضية بالطرق القانونية.

 

وتقول أنيسة الشعيبي، إن هذا الحكم بحد ذاته هو انتهاك جديد لكرامتها وظلم يقوم به القضاء في حقها، وتطالب من رئيس الجمهورية أن يقوم بمراقبة المجرمين "يراقب المجرمين حتى ولو هم مسئولين كبار ولا أصحابه، ويعاقب رزق الجوفي لأنه يهين أولاد الناس وبنات الناس".

 

يثق الصالحي من براءته بعد أن قام باستئناف الحكم، ولا تثق أنيسة الشعيبي من عدالة القضاء، ورغم ذلك استأنفت الحكم هي الأخرى، تقول: "أنا خائفة وأعيش في رعب.. أعدائي نافذين ويقدروا يفعلوا بي أي حاجة وبيرسلوا ناس يراجموا بيتي ويخوفوا أطفالي".  ويقول المحامي عبد الرحمن برمان، في المحكمة تشعر أنيسة أننا معها ونستطيع حمايتها، لكنها تشعر بالخوف حين تكون بعيدة عنا في بيتها.

 

أنيسة الشعيبي تتذكر مآسي غرفتها في السجن، فتنهمر دموعها وهي تحدثني عن فلانة التي خرجت ذات ليل ولم تعد، وفلانة التي أصيب أبوها بالشلل بعد أن أدخلوها السجن بتهمة الإرهاب، وهي لم تتجاوز الـ15 ربيعا وهو يعرف ما معنى السجن.

 

أنيسة كانت موظفة في وزارة الداخلية وتم إيقاف راتبها منذ أن اشتكت بالبحث الجنائي، ولم تستلم فلسا واحدا منذ قال لها أمين الصندوق "عليك أن تقابلي السيد الوزير.."، الأمر الذي لم يحدث.

 

ورغم فقر انيسة، إلا أنها ترفض الحصول على مبلغ هي التي تحدده مقابل أن تتنازل عن قضيتها، وهو الأمر الذي عرض عليها بعد أيام من نشر قضيتها عبر صحيفة الناس في العام 2006م "انا ماشتيش فلوس .. أنا أشتي يعاقبوا المجرمين أمام الناس وأمامي".

 

المتتبع لقضية أنيسة منذ أن بدأت التحقيقات في النيابة العامة وحتى صدور الحكم، يلاحظ أن النيابة لعبت الدور الأكبر في ضياع حقوق أنيسة الشعيبي، وكان الجانب الأمني هو المحرك الرئيس في القضية وبشكل مفضوح.

 

كانت القضية منظورة أمام عضو نيابة الاستئناف منصور الصلوي، وفجأة تم إحالة القضية إلى نيابة غرب الأمانة بحسب الاختصاص، ولا اعتراض على هذه الخطوة. إلا أنه تم تكليف أحمد القيز عضو نيابة "شمال الأمانة" ليترافع في "غرب الأمانة"، وإن كانت النيابة من الناحية القانونية هي كل لايتجزأ، إلا أن هناك أكثر من علامة استفهام تلحق سؤال: لماذا لم تتول النيابة المختصة "غرب الأمانة " القضية عبر واحد من أعضائها؟ في الحقيقة لا أعرف بالضبط.. ربما أنتم تعرفون.

 

بعد أن تم تكليف عضو نيابة شمال الأمانة مباشرة، تم إدخال اسم صالح الصالحي في القضية ربما كطرف من خارج "جماعات الضغط الخفية التي تمارس أدوارا غير سهلة في سبيل تغيير مسار هذه القضية "، وهو الذي أدين لاحقا بحيثيات تثير السخرية على وضع القانون في بلادنا.

وعلى الرغم من أن عضو النيابة المذكور كان يتحدث عن نيته أن يفتح تحقيقا مع ما  يقارب 12 ضابطا وفردا في الداخلية، وهم الذين وردت أسماؤهم في الشكوى وفي محاضر التحقيق، إلا أن ذلك هو الآخر لم يحدث، فلم يتم التحقيق سوى مع اثنين هما رزق الجوفي وصالح الصالحي، وتم التحقيق خارج وقت الدوام، وبدون إبلاغ المجني عليها أو موكلها، ما يعني أن النيابة حرمت المجني عليها وموكلها من مبدأ المواجهة. وعلى الرغم من أن التحقيق تم في ظروف غير قانونية، إلا أنه مليء بالإدانات لمن اشتكت بهم أنيسة الشعيبي، فقد اعترف الجوفي أنه كان يعلم بوجودها من ثاني أيام اعتقالها، وقال إنه وجه بالإفراج عنها بمجرد معرفته بوجودها في السجن، وهذا يثير سؤالين: لماذا يوجه الجوفي بالإفراج عن متهمة بجريمة قتل قبل أن يتم التحقيق معها؟ إن كانت الإجابة أن اتهامها كان مجرد أداة لتحقيق غرض في نفس يعقوب، فلماذا لم يفرج عنها فعلا؟ وإن كانت اعترافاته مجرد كذبة أدلى بها في محضر تحقيق النيابة ليبرئ بها ساحته من جريمة احتجاز حريتها، فما الذي منعه من أن يأمر ببدء التحقيق معها مباشرة؟

 

لم تلتفت النيابة لدعوى أنيسة الشعيبيي بتعرضها للتعذيب والضرب داخل سجن البحث الجنائي، ولم تلتفت النيابة أيضا لتصريحات الطفلين هارون وريم بتعرضهما للسجن في سجن الرجال، وتعرضهما للضرب أيضا،على الرغم من أن هذه الادعاءات نشرت في الصحف التي تعتبر منشوراتها بلاغا للنائب العام.

 

كما أن من المثير للسخرية وجود وثيقة في ملف القضية تفيد بأنه تم التواصل مع المجني عليها، وفي خانة الهاتف تم إضافة رقم لا علاقة لأنيسة الشعيبي به، ولا أدري إن كان هناك من يستخدم وظيفته العامة في النيابة للقيام بعملية تزوير في محررات رسمية، وهو يدري ولا شك بحكم وظيفته أنه بذلك يعرض نفسه لعقوبة قد تصل للسجن سبع سنوات، والفصل من الوظيفة العامة؟

 

وبعد أن أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها، كان من واجب النيابة أن تقدم طعنا خلال 15 يوما غير أن ذلك لم يحدث.

 

لماذا تكون النيابة في كل بلاد الله مدافعا عن المجني عليه في وجه الجاني، إلا في بلادنا تشترك النيابة في أعمال من شأنها تبرئة الجاني وضياع حقوق المجني عليه؟

 

هل سيقدم النائب العام استئنافا في القضية قبل انتهاء المدة القانونية المحددة؟ أم أن النيابة في بلادنا دورها مختلف عن النيابة التي يعرفها الناس في البلدان الأخرى؟

 

هذه قضية ليست جديدة على الرأي العام، كثيرون يعرفون تفاصيل أشد فضاعة مماحدث في قضية أنيسة الشعيبي، غير أن ما يميز أنيسة الشعيبي هو قوة إيمانها بحقها في الانتصار لكرامتها، على العكس من غيرها من القضايا التي يلفها الصمت ويطويها النسيان، وتبقى ملفوفة بالشعور بالعار كوصمة على جبين المجني عليهن، لتصبح بعدها الأجهزة الرسمية وسيلة لتهديد الضعفاء.