أدب وثقـافة
Google+
مقالات الرأي
لله...للحقيقة...للتاريخ
مساء الأحد اتصل بي صديق من صنعاء، وهو ابن إحدى القيادات المقربة من الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.قال
مقتل صالح يوحد اليمنيين
لو قتل الرئيس علي عبد الله صالح قبل خمسة أيام لكان دمه في رقبة التحالف والحكومة الشرعية، لكنه قتل من قبل
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك

"وجوه 1" (سعد المجنون)

أشباح تلك الوجوه تتردد على ذاكرة يبدو أنها لا تكترث
السبت 08 ديسمبر 2012 09:45 مساءً صحيفة الحدث - صنعاء - محمد عبيد

 منذ بدايات الطفولة البعيدة التصقت شخوص معينة بالذاكرة وتكاد تكون مصاحبة لها بصورة تبدو أحياناً عصية على الفهم، كبرت وارتحلت وغيرت الأماكن ووهنت الصلة بالجذور وبقيت أشباح تلك الوجوه تتردد بصورة شبه يومية على ذاكرة يبدو أنها لا تكترث كثيراً بتسجيل ما يمر بها في مدن يتشابه فيها كل شيء: البشر والحجر والملابس وحتى مذاق الطعام، وبقيت أسيرة بعض الأماكن وقليل من الأشخاص معظمهم يعود لأزمنة تبدو لي الآن سحيقة في البعد.



أحد تلك الوجوه، سعد.. أو "سعد المجنون"، هكذا كنا نسميه صغاراً، ولا أعرف له اسماً آخر، بل تقريباً أكاد لا أعرف عنه أي شيء سوى صورته التي بقيت عالقة في الذهن كما هي، كأني أراه ماثلاً أمامي الآن.

من الجنوب يأتي، قاطعاً الشارع الترابي كثير الانحناءات والتعرج، وإن كان أطول شوارع البلد وأقدمها ويضم تقريباً خليطاً رمزياً لكل عائلات البلدة، فتكاد تجد بيتاً أو بيتين على الأقل من كل قبيلة ممثلة في ذلك الشارع الذي كان منزلنا يتوسطه تقريباً.

الشارع كان مجال تجارة سعد البسيطة والمحببة للنفس، خاصة من الصغار، يحمل في يده اليمنى مقطفه الصغير، تبرز منه قراطيس ورقية صغيرة يصنعها من أوراق كراسات الدراسة التي يتخلص منها الطلاب في نهاية العام، وفي قاع المقطف ترقد حبوب الحمص المغلي والترمس الذي يقدمه سعد لزبائنه مقابل قرش صاغ، مقابل كل قرطاس.

في يده اليسرى دائماً ما كان يحمل منديلاً كبيراً من القماش الملون بمربعات صفراء ورزقاء اللون، ليسمح به بين الفينة والفينة حبات العرق التي كانت تنسال على جبهته.

وجهه شديد البياض، وعينيه المائلة للون الأزرق يجعلانه يبدو غريباً ومختلفاً عن السحن الجنوبية السمراء، كان ذلك أول ما يلفت الانتباه لسعد، ثيابه على قلتها شديدة النظافة طول الوقت، لم أره يرتدي غير جلبابين أحدهما باللون الأخضر الفاتح مع خطوط بيضاء، والآخر باللون الأزرق بنفس الخطوط، مما كان يطلق عليه أهل الصعيد "التروكلين" ولم أعرف من أين جاءت التسمية. 

لم أر سعد صامتاً قط، ولم أفهم ما يقوله أبداً، وربما كان هذا السبب وراء تسميته بـ"المجنون"، ولم أسمعه ينادي على بضاعته مطلقاً.

بعد صلاة العصر تماماً كنا نرى سعداً قادماً من اتجاه واحد لا يغيره، من الجنوب دائماً، نلمحه بعد أن يجتاز "المدشة"، وهي بناء ضخم مخصص لدش "تكسير" الحبوب تقع قبل أكبر انحناء حاد في جنوب الشارع، ليعرج بعدها متهاديا مارا بخطوات رشيقة رغم سنه الذي قارب الستين أو يزيد، بمبنى الجمعية الزراعية الصغير المكون من طابق واحد ، مثل معظم مباني الشارع القديم، يتوقف إذا ناداه واحد من زبائنه الذين يعرفهم ويعرفونه، أقصد انهم يعرفون أنه سعد فقط لا أكثر، قبل أن يواصل سيره في منتصف الشارع تماما مارا بمبنى السنترال القديم، ليتوقف قليلا أمام مبنى النادي الرياضي، حيث يكثر الشباب ممن يقبلون على سد الجوع أو التسلية بقراطيس من الحمص المتبل أو الترمس الذي يقدمه دون أن يتوقف عن الحديث ، ليس لزبون أو شخص بعينه، بل يهمهم دائما بصوت خفيض لشخص او أشخاص ليسوا في محيط عالمنا.

يبيع سعد بضاعته ويحصل نقوده القليلة لينعرج نحو اليسار قليلا إن كا ثمة زئابن محتملين جالسين مستندين لحائط الزاوية، وهي المسجد الوحيد الصغير في الشارع كله، ليقطع المسافة أمام بيتنا، ومنه لمبنى المدرسة الأزهرية والساحة المقابلة لها، ليجد زبائن آخرين ما بين صبية يلعبون الكرة حفاة الأقدام في الساحة، أو الأكبر سنا منهم الجالسين على السلالم المبلطة التي تقود لمدخل المدرسة.

ما أن يتجاوز سعد المدرسة حتى ينعرج قليلا مع الشارع في اتجاه الغرب ثم يرتد باتجاه الشمال مواصلا قطع الشارع الثعباني التصميم. 

نمط شبه يومي، كل يوم يمر سعد في نفس التوقيت، نفس الجلباب النظيف دائما، أسفله الصديري الأبيض النظيف أيضا ، خلافا لملابس معظم أهل الشارع من المزراعين الذين كثيرا ما تجدهم بملابس متسخة قادمين أو ذاهبين لحقولهم.

أعرف أن سعدا يسكن الشارع نفسه أو حارة متفرعة منه، في الجزء الجنوبي بالتحديد، أعرف بيوت الشارع بيتا بيتا ، ويعرفني أهلي على سكانها وأصولهم وعائلاتهم، إلا سعدا.

كلما ألح السؤال على ذهني في البيت أسال أمي أين يسكن سعد، فتجيبني، وهي الغربية عن البلدة وعائلاتها بأنها لاتعرف. أسال أصحابي من الصبية في الشارع أين يسكن سعد، من عائلته ؟ هل لديه أسرة ؟ هل عنده أولاد! أين هم ؟ لا احد يعرف.

كبرت ورحلت وتركت سعدا كما هو يقطع الشارع كل يوم ويتكلم طول الوقت دون أن يقول شيئا، دون أن يدخل في حوار من أي نوع مع أي شخص، ودون أن ينادي على بضاعته البسيطة. 

أخذتني الدنيا لمدن من بعدها مدن وما زال يشغلني السؤال من هو سعد؟، وما الكلمات التي كان يرددها طول الوقت وأين بيته وأهله، هل هو مجنون حقا؟ أسئلة حائرة في بلد كان أهله يعرفون عدد قطع الماشية والأغنام في بيت الجار وجار الجار، لكن لا أحد يعرف شيئا عن سعد "المجنون"!