أدب وثقـافة
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك

رواية "حجاب" للكاتب التركي منجان: ذاكرة الأحلام ...سجن الذات

الجمعة 12 ديسمبر 2008 07:24 مساءً

يعد الكاتب مرادخان منجان أحد الكتاب المعروفين والمرموقين في تركيا، يكاد يصل منزلة الكاتب التركي الشهير أورهان باموك. مثل هذا التقدير جدير بالملاحظة لاسيما وأنَّ مرادخان منجان يجاهر بمثليّته الجنسية. وروايته الأخيرة التي تحمل عنوان "حجاب" تمثِّل رحلة خطرة خلال بلد يحكمه المتعصِّبون المتديِّنون. فولكر كامينسيكي يستعرض هذه الرواية.

من الممكن أن تكون العودة إلى الوطن محفوفة بالخطر. وكذلك مَنْ يعود بعد غيبة طويلة إلى وطن أبيه من أجل البحث عن أقرباء له أو من أجل تقصّي جذوره يصادف أحيانًا مفاجآت سيِّئة. فمن الممكن أن يتفاجأ العائد بأنَّ لا أحد يستقبله برحابة صدر، ويصادف الغرابة والرفض فيما كان يعتقد بأنَّه مألوف وودِّي. "هل تشعر بالراحة والهدوء؟" - يتساءل الراوي في رواية "العودة" المشهورة للكاتب فرانتس كافكا: "هل تشعر بأنَّك في البيت؟ أنا لا أعلم... هذا بيت أبي، لكنّ جزءًا يحاذي جزءًا آخر ببرودة وكأنَّما كلَّ شيء مشغول بشؤونه الخاصة".


هكذا يحدث مع أخبار، بطل رواية "حجاب" الذي يعود إلى وطنه بعد أعوام كثيرة قضاها في المنفى. وأخبار فقد الاتِّصال منذ فترة طويلة مع أقربائه، كما أنَّ أباه توفي في فترة مبكِّرة وهو لا يعلم إذا ما كانت أمّه وإخوته ما يزالون على قيد الحياة. والآن يتحتَّم عليه أن يكتشف أنَّ وطنه الحبيب قد تغيَّر بشكل شامل؛ حيث دُمِّرت أجزاء من وطنه بسبب الحرب وخربت الشوارع والبيوت. "تحدِّق فتحات المحاجر بأخبار مثل عيون مطعونة". وتبدو له المدينة والبلد "مثل باحة سجن كبيرة". وكذلك تبدو الحياة العامة مشلولة ويظهر الناس القليلون في الشوارع مذهولين وفزعين. وثمة نظام متشدِّد - اسمه "جنود الإسلام" - يحكم البلد بتعسِّف دموي. ويتم قبل كلِّ شيء قمع النساء بعنف؛ حيث لا يسمح لهنّ الظهور بحرية ومن دون الحجاب، إذ لا يجوز لهنّ السير في الشوارع إلاَّ بالبرقة التي تحجب النظر.


حقيقة الوهم...وهم الحقيقة

ويجمع أخبار هذه الانطباعات والمظاهر الرهيبة في مجلة سفر خيالية. ويفكِّر في أفكار عميقة حول ضياع الحقيقة والوجود، في حين يغرق في حلم مزعج عبر الشوارع الفارغة. وصحيح أنَّه يستمر في البحث عن أقربائه ومعارفه ويطرق أبوابًا كثيرة، بيد أنَّه يواجه في كلِّ مكان الرد والخيبة. وفي أحد المرات يلتقي أخبار بشخص مسن من معارفه ويروي له هذا الشخص أنَّ أمَّه تزوَّجت ثانية ورحلت منذ فترة طويلة. غير أنَّه يفقد رباطة جأشه أكثر وأكثر ويبدأ القارئ يقلق على أخبار وما سيصير إليه.


ومرادخان منجان مؤلِّف مشهور جدًا في تركيا، وله العديد من المؤلَّفات. ويتم تقديره في وطنه حسب معلومات الناشرين مثل مغنٍ شعبي. وفي رواية "حجاب" يقوم بحبك متاهة فكرية تتكوَّن من صور شعرية وتكهّنات تشبه المقالات. أمّا الأسلوب التركي لرواية "حجاب" فيكمن في أنَّ الراوي يُلهم القارئ في البدء بالدخول إلى عالم واقعي. وتبدأ قصة الرواية برحلة بالسيارة عبر الحدود إلى بلد مقفر جدًا وحار. ويعتقد القارئ أنَّ هذا البلد هو تركيا، بيد أنَّ الواقع يختلف عن العالم الذي يتم تصويره في الرواية عما اعتاد عليه القارئ في إدراكه اليومي. ومن خلال نظرة بطل الرواية يبدو أنَّ هناك مبالغة في تصوير أشياء كثيرة؛ حيث يتم إدخال القارئ إلى أحداث تظهر بمظاهر خرافية؛ وتحول الخرافة دون الإدراك ويصبح باستمرار كلّ شيء غير معقول إلى أن يستوعب القارئ أنَّ الأحداث الموصوفة تنبثق عن خيال أكثر من أن تصدر عن تجارب واقعية.

اكتشاف لأسرار اللغة والواقع

ولغة مرادخان منجان شاعرية للغاية، وهو يهتم بتصوير قصصه بشكل مجسَّم - ولجمله وقع مشابه؛ إذ تصبح الأجواء والروائح والأصوات محسوسة، حتى وإن كان ذلك يبدو أحيانًا بالنسبة للذوق الأوروبي الغربي مبالغًا فيه. و تبدو المقارنة التالية "كانت تعابير الوجوه فارغة مثل الصحراء ورافضة مثل جرف منحدر ومرتفع وعديمة الشكل مثل الرمل..." متعبة جدًا. وعندما يعبِّر أخبار عن مشاعره أثناء حلم يظهر له فيه أبوه على هذا النحو: "وهنا كان صديق أخبار يشبه ضربة حمامة ترفرف" - فعندئذ يحاذي هذا الوصف وصفًا مبتذلاً.


وتكمن قوة مرادخان منجان في كتابة موضوعات مثل موضوع الحجاب. وبطل روايته، أخبار يعاني دائمًا من أنَّ "نصف الحياة" يُضطر إلى التخفي والاستتار. وانتقاده للحجاب يترك في بعض المواضع وقعًا يشبه النداء العاطفي من أجل تحرير النساء المقموعات في الإسلام. وهو يصوِّر الحجاب بصورة الذروة الشاذة في تحريم الرسوم السائد بشكل عام، بحيث أنَّه لا يُسمح للنساء السير والتجوال إلاَّ "في خيمة قماش بنافذة تمكِّنهنّ من الرؤية". ولكن أيضًا البرقة - حسبما يرد في نص روايته - التي يعتبر الحجاب "أوَّل خطواتها" هي علاوة على ذلك سجن بحدّ ذاتها. وحسب رأي أخبار لا توجد للمرأة المحجَّبة حياة؛ ولا يُسمح لها بإظهار نفسها، كما أنَّها لا تشاهد في الوقت نفسه من خلال نافذة الحجاب سوى القليل؛ وهي تضيع بمعنى الكلمة من الحياة.


وليس سهلاً في هذه الرواية الصغيرة الاستدلال على فكرتها الأساسية؛ إذ تتطرَّق الرواية إلى أمور كثيرة تنقطع وتنتهي مرَّة أخرى وتبقى غير واضحة المعالم كأنَّها تدور في حلم. ويبدو من المنطقي أكثر عندما يصبح أخبار في نهاية رحلته غير مرئي ومحجوب وذلك من خلال اختفائه في برقة.


أما ما يصب في رواية فرانتس كافكا ليؤدِّي إلى هذه الجملة "كلما تريَّث المرء أكثر أمام الباب، ازداد غرابة" - فيحتل بأسلوب هزلي في راوية مرادخان منجان مكان القمة. ويبدو أنَّ أخبار لا يفشل فقط في محاولة اللقاء من جديد مع ماضيه - فهو يلقي بنفسه متسترًا بقماش البرقة في عزلة تامة، ويصبح هو بالذات غريبًا. وهكذا يُغلق نهائيًا الباب الذي يفضي إلى العالم.