أدب وثقـافة
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك

شعرية الشعر وشعرية التاويل

الجمعة 27 مارس 2009 11:29 مساءً

إذا كانت الحداثة في حد ذاتها مشروعاً تأويلياً يقبل دراسة المستويات اللغوية داخل الخطاب الشعري بغية ملامسة مستويات الشعرية التي حققها من خلال تلك الاستعمالات اللغوية المتفردة التي تحققت فيها شعرية العدول عن التقنيات الكتابية والتعبيرية السائدة في اللغة المستخدمة ؛ فإن الحديث عما يكسب اللغة الموظفة سمة الشعرية سيبدو أمراً لا يخلو من التعقيد والغموض ، ذلك أن مثل هذا البحث سيؤدي حتماً إلى إثارة تلك المسالة التي طالما أعيت المنظرين والنقاد على مرّ عصور الأدب وأجياله ، وهي ما الذي يجعل من الكلام المنطوق ، وحديثاً المكتوب ، يكتسب صفة الشعرية ويتميز عن سائر أنماط اللغة المنطوقة والمكتوبة ؟

        لعل ذلك السؤال الذي لم يوجد له جواب جامع مانع إلى الآن هو ما يعكس عجز الفكر الإنساني عن أن يلم بكل ما يبعث فيه الإحساس بأن ما يتلقاه ، سماعاً أو قراءة ، يتميز عن غيره باكتسابه سمات  الشعرية أو الشاعرية التي تلهب حواسه وتثير انفعالاته وعواطفه ، كما يعكس أيضاً عجزه عن أن يحنّط الشعر بتعريف يحصر مختلف منابع شعريته  ويحيط بجميع حدوده ، ذلك أن الشعر منذ أن وجد يأبى الحصر ويأنف التحديد . ولعل الاعتقاد بامتلاك الشعراء قدرات خارجية غير طبيعية تميزهم عن غيرهم من البشر تمدهم بالقدرة على قول الشعر ـ كالقول مثلاً بوجود الجن وشياطين الشعراءـ هي الأساس النفسي لتسويغ عدم القدرة على تحديد ماهيته وإدراك أسرار كينونته واكتشاف مكامن تأثيره ، بل هو أيضاً ما دفع إلى القول بأن " الشعر كالدين ولد كاملاً ، لا من حيث أنه فطرة  الإنسان وحسب ، بل من حيث أنه فعل سماوي أو ملائكي يتجاوز الإنسان " ( 1 ) ، ومن هنا عُدّ أي تعريف للشعر تعريفاً ناقصاً ومبتوراً لا يستطيع معه كل من يحاول تعريفه أن يخرج بأية نتائج حاسمة  ، ذلك أنه بالإضافة إلى أن الشعر " مفهوم غير ثابت ومتغير مع الزمن " ( 2 ) ، فإن الشعر منذ أن كان " في ذاته أو طبيعته لم يتغير، ولكن الذي  يتغير هو فهم الأفراد والجماعات له في البيئات والعصور المختلفة . فإذا قلنا إن كل إنسان يعرف الشعر لم نكن مغالين ، لأنه ليس من السهل حتماً أن يفهم الناس الشعر فهماً واحداً . إن للشعر ، كالأدب بعامة ، طبيعة مرنة تتشكل بحسب رغبة كل إنسان وفهمه " ( 3 ) ، وذلك هو ما أدى إلى أن تختلف تعريفاته باختلاف الاتجاهات والمدارس النقدية التي حاولت تسييجه ومحاصرته في حدود معينة من غير أن تخرج بأي تعريف جامع مانع يحدده ، مبرهنة على أن أي محاولة لتعريفه سيكون مصيرها هو الفشل ،و السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الخطاب الشعري الملغم بتلك الخطوط والممرات الضبابية التي يستعصى على أي كائن أن يصف رؤية متكاملة عنه ، منذ أن  " حظي الشعري برخصة التجول في مجهول الكلام رافضاً أنساق الرتب والنظم وفرزات الخضوع لقانون يقيس وجوده طبق أصل مفترض ، فراح الشعر ينسل من كل قيد ، ويخرج عن كل نظام ، وينزاح عن كل قاعدة ، وتتسلل خلفه الأسئلة تلاحقه في منعرجات الانزلاق ، وتثير حوله الزوابع ، لكن دون أن تقع له على أثر " ( 4 ) .

      لذا يمكن القول إن أي وقوف في حضرة الخطاب الشعري بغية تعريفه سيكون ضرباً من التعسف والعبث ذلك أنك " إن كنت تقصد تحديد ماهية الشعر ، فسؤالك لا يجاب عنه . ذلك أن الجواب ، كل جواب، يستند إلى قواعد ومقاييس . والشعر خرقٌ مستمرٌ للقواعد والمقاييس . الجواب فيما عدا ذلك ممكن" ( 5 ) ، ومن هنا يمكن الاعتقاد بأن تلك الدراسات التي وقفت في تعريفها للشعر عند مقارنته بالنثر لم تحمل في مضمونها حقيقة الشعر كاملة ، ذلك أن أقصى ما وصلت إليه هو أن اللغة الشعرية هي لغة خاصة توجد في مقابل اللغة العامة بالرغم من منبعها الواحد( اللغة المعجمية ) ، فاللغة الشعرية تختلف عن اللغة النثرية على مستوى التركيب ، والصياغة ، والإيقاع ، والتصوير ، و... لتشكل تلك العناصر مجتمعة في وعي المتلقي انطباعاً خاصاً بأنه أمام لغة شعرية ( 6 ) ، أو إن الشعر يعتمد في أساسه على اللغة كونه ظاهرة تواصلية بين الشاعر وبين المتلقي ، وإن تنظيم الشاعر لها بطريقة غير عادية تخرج عن النمط التواصلي المألوف هو ما يحقق لتلك اللغة صفة الشعرية ، ولا يستطيع الشاعر أن يحقق تلك الصفة إلا بهذا التنظيم غير العادي ( الخاص ) لأصوات اللغة التي يستطيع أن يحملها مشاعره وأفكاره المتميزة وعواطفه الصادقة ، فإذا ما تحقق له ذلك فإن خطابه المنتج سيصبح " خطاباً تغلبت فيه الوظيفة الشعرية في الكلام ، ومن ثم يتحول النص الأدبي إلى خطاب تركب في ذاته ولذاته " ( 7 ) .

        ومن هنا فإننا إذا حاولنا التعرض لمصطلح ( شعري ) سيتبدّى لنا أنه لا مجال اليوم لتكرار وترديد كل ما قيل ويقال عن الحدود المصطنعة بين اللغة الشعرية واللغة النثرية ، ذلك أنه بالإضافة إلى أن هدفنا الأساسي هو الانطلاق من مرحلة لاحقة من مراحل تبلور ذلك الجدل العقيم ؛ فإن الدراسات النقدية الحديثة قد اتجهت في محاولاتها لملامسة خطوط الشعرية الشفيفة إلى محاولة الولوج إلى مناطق الشعر والنظم أكثر من استهدافها الشعر والنثر إلى درجة أن حاولت أن تفرق بين القصيدة والشعر ( 8 ) ، وهذا ما تحقق مؤخراً بفضل تلك الدراسات المتعمقة في الشعرية التي أصبحت علماً قائماً بذاته يعرف بأنه :" الدراسة النسقية للأدب كأدب ، إنها تعالج قضية " ما الأدب " والقضايا الممكنة المطورة عنها ، كـ : ما الفن في اللغة ؟ ما هي أشكال وأنواع الأدب ؟ وما طبيعة جنس أدبي أو نزعة ما ؟ ما نسق فن خاص أو لغة خاصة لشاعر ما ؟ ... ؟ما هي المظاهر الخاصة لآثار الأدب ؟ كيف هي مؤلفة ؟ كيف تنتظم الظواهر غير الأدبية ضمن النصوص الأدبية" ( 9 ) ،وأما موضوع الشعرية فهو البحث عن "الأدبية وليس الأدب،أي ما يجعل من عمل ما عملاً أدبيا" ( 10 ) ، وأما مجالها فيركز على "دراسة الإجراءات اللغوية التي تمنح لغة الأدب خصوصية مميزة تفضلها عن أنماط التعبير الفنية واللغوية الأخرى " ( 11 ) ، وهذا يعني أن الشعرية التي تكرس مجهودها النقدي لاكتشاف قوانين الخطاب الإبداعي الداخلية ، بغض النظر عن كونه شعري أو نثري ، التي تجعله مميزاً عن غيره من الخطابات الأخرى ، تستن في مجمل رؤيتها النقدية منهجاً حفرياً يتجه إلى الخطاب المدروس مباشرة، وذلك " عن طريق إيجاد أدوات لوصف النص الأدبي . أي فصل مستويات المعنى وتعيين الوحدات التي تشكله، ووصف العلاقات التي تسهم في ذلك . إنها ، إذن ، بحث فيما يجعل الملفوظ أو المقول نصاً وعلى القراءة أيضاً أن تقدم طرائق اكتشاف خاصة تمكنها من مقاربة كافة المستويات الواردة والمحتملة " ( 12 ) ،فهي تسعى إلى استنطاق " خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي، [ لذا فإن مجالها التأويلي ] يُعنى بتلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي"     ( 13 ) وتميزه عن غيره ، ومعنى ذلك أن رصد تقنيات الخطاب المنتج ومحاولة مقاربتها تأويلياً ستكون هي المحك العملي الذي سيسمح للمتلقي بقياس مدى شعرية أي خطاب أدبي .

        ومن هنا يتراءى  لهذه الورقة إن السبيل القويم لمعرفة روافد شاعرية الشعر هو دراسة ورصد تقنيات تشكيله وطرائق توظيفه للغة ،وتأليفه للكلمات وتنظيمها للوصول إلى أنساق وتراكيب وأبنية تفجير الطاقات الشعرية في الخطاب المنتج . ذلك أنها تدرك أن ما يميز الشاعر ،أي شاعر ،عن غيره "ليس تجربته المتفردة والخاصة وإنما قدرته على التعبير عن تلك التجربة التي قد يكون عاشها غيره وعجز عن التعبير عنها ،فجهوده إذاً لا تقاس بما يقول في شعره وإنما بالكيفية التي يقول بها مقوله"( 14 ) ، بيد أن ذلك لا يعني أنه قد صار لزاماً عليها أن تحصي أو ترصد جميع تقنياته ؛ بل أنها ستقوم برصد ما تجده مهيمناً وبارزاً من تلك التقنيات لتكون لها بمثابة المفاتيح التي تلج ، بوساطة تدويرها ، إلى فضاءات الخطاب الشعري المدروس( أي خطاب شعري ) ومناخاته المتداخلة وتضاريسه المتعددة ، ذلك أنها تعي أن الخطاب الشعري ـ وذلك ما يفترض أن يكون عليه أي خطاب إبداعي ـ يتستّر خلف أقنعة من القتامة والغموض ومن الصعب التعرف على جميع تقنياته البنائية ومدلولاته العميقة المتوارية خلف ملفوظاته الظاهرة ، وربما كان دافعها إلى ذلك هو "الإحساس النابع من جوهر الكتابة الشعرية الملتبس بأسلوبها الانزياحي الذي يمنح الرؤية الشعرية لوناً جمالياً وفنياً مغايراً يستقطب الأسماع ويستجلب الأذواق" ( 15 ) ، لاسيما وأن ذلك العمل الانتقائي للتقنيات المهيمنة يقترب كثيراً من منطلقات الشعرية الحديثة التي نجد من أبرز رؤاها النقدية أن " الشعرية التي تؤول أثر الشاعر من موشور اللغة وتتمسك بالوظيفة المهيمنة في الشعر تمثل ، من حيث تعريفها ، نقطة انطلاق لتفسير القصائد ، أما فيما يخص قيمتها الوثائقية والنفسية والتحليل نفسية ، أو الاجتماعية ، فإنها تبقى ، بطبيعة الحال ، مفتوحة على بحث المختصين الحقيقيين في هذه العلوم . ويجب على هذه العلوم مع ذلك ، اعتبار أن الوظيفة المهيمنة في الأثر تمارس تأثيرها على كل الوظائف الأخرى ؛ وتجد بالتالي كل الموشورات الأخرى نفسها خاضعة لموشور النسيج الشعري للقصيدة " ( 16 ) ، ومن هنا فإن هذه الورقة تجد أن ملامسة الدارس لتقنيات الخطاب المدروس التي يجد بروزها أكثر من غيرها ستكون له بمثابة الأدوات الإجرائية (المفاتيح) التي يأمل منها أن تساعده على إبراز ما يميز الخطاب المدروس عن بقية الخطابات الأخرى ، هذا من ناحية ، كما أنها ستعمل أيضاً على قياس مدى نجاعة توظيف تلك التقنيات في إثراء الخطاب وإكسابه سمة الشعرية من ناحية أخرى . لاسيما وأن هذه الورقة تدرك أنه ليس من السهل الوصول إلى شعرية الخطاب الإبداعي دون الإمعان والتفرس في ملامحه وتنوعاته وتقاسيمه المكونة له ، ذلك أن الخطاب الشعري ، أي خطاب ، إن استهواك وأغراك وجذبك إلى عوالمه ؛ فإنه لا يسمح لك بالولوج إلى عوالمه الخفية إلا بعد تدبر وتفكير وروية ومشاركة في الوصول إلى مدلولاته الخفية الثاوية خلف ملفوظاته الظاهرة ، ولا يتأتى ذلك إلا بالوقوف أولاً عند تقنياته التعبيرية الظاهرة التي استهوتك وأغرتك على الخوض في غماره ، ثم إرهاف السمع وتدقيق النظر في تشكلاته البنائية   الخارجية ، وتحسس قلبه النابض في أعماقه وتأويل إشاراته ورموزه ،لذا فإن أول ما ينبغي على أي دارس ( ناقد ) هو أن يحصي تقنيات الخطاب المدروس التعبيرية الخارجية ويستطلع نسيجه النصي ويتتبع حركة مفرداته وتراكيبه وجمله ، ثم يشرع في تقسيم الخطاب وتشريحه إلى مقاطع صغرى تنتظم تحت نواة تعبيرية جاذبة لها تمثل محورها الذي تدور من حوله .  وهذه هي الطريقة التي ستمكنه   من معرفة أنظمة الخطاب الشعري المدروس وتشكلاته الفنية التي ستقلّه مباشرة إلى منطقة اكتشاف لحظة الإصابة المباغتة للجرعة الشعرية المثيرة التي يتقبلها المتلقي ويتفاعل معها ويتأثر بها ثم يؤثر فيها من خلال فهمه وتأويله لمجرياتها ، وإذا ما تحقق للدارس ذلك فإن قراءته التأويلية ستكون قراءة منتجة للخطاب ومشاركة في إزالة اللبس فيه بعد أن شاركت في استنطاق ما وراء تلك التقنيات التعبيرية الظاهرة من مدلولات ثاوية ولا متمرئية .  

*دراسات عليا ، كلية الآداب ، جامعة ذمار