أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
الأحد 13 يناير 2008 02:56 مساءً

المهـاجرون الجـــدد !

إرشيف الحدث

قبل أيام معدودة دخل علينا خلسة عامٌ ميلادي جديد, تلاه عام هجري أجد, والأعوام تأتي وتروح والعرب في أماكنهم وقوف كأهرامات مصر, فلا الزمن يغيرهم, ولا عوامل التعرية تزيدهم إلا عرياً. وليس هذا وجه الشبه الوحيد بين العرب وأهرامات الجيزة, فهناك وجه آخر للشبه بينهما هو أن كلاهما يعد مقبرة نموذجية للمومياوات المحنطة!.الأهرامات مقابر خرافية التصميم لملوك الأسر الفرعونية, والعقل العربي مقبرة خرافية الاتساع لآلاف المقولات والأفكار الفرعونية التي ورثها عن أجداده القدامى!. والفارق الوحيد بين المقبرتين هو أن ملوك الفراعنة لا يحكمون من قبورهم ولا يملكون, بينما أموات العقل العربي هم الحكام الحقيقيون للواقع العربي!. مازال معاوية بن أبي سفيان, وأحمد بن حنبل, والفرزدق وجرير, وعنترة بن شداد, والأئمة المعصومون, وداحس والغبراء, وغيرهم كثير من الآباء والأجداد, هم الذين يحكمون عقولنا وأفئدتنا, فلا ننطق إلا بألسنتهم, ولا نرى إلا بأعينهم, ولا نفكر إلا بعقولهم, فأي سلطان أكبر من هذا, وأي عبودية أكثر من هذه؟!.

دخل علينا عام ميلادي جديد لم نولد فيه أمة جديدة, ودخل علينا عامٌ هجري جديد لم نهاجر فيه إلى فكرة جديدة, ولم ندرك أن هجرة النبي وصحابته كانت هجرة (الجماعة) إلى (المجتمع), هجرة من (الباطل) إلى (الحق), ومن (العصبية) العرقية إلى (المساواة) والمؤاخاة, ومن (القبيلة) إلى (المدينة), و من الماضي إلى المستقبل!. والهجرة فكرة تقاوم الثبات والركود والصنميّة, وتدفع إلى الحركة والتحرر, فكم من هذه المعاني يعرف العرب اليوم؟. كان بإمكانه عليه الصلاة والسلام أن يتجه إلى بادية العرب أو إلى أعرابها الأجلاف إذا كان يبحث عن أنصار أشداء يحمونه ودعوته, ولكنه لم يفعل. وإنما اتجه إلى أكثر المناطق تحضراً ومدنية في وسط شبه الجزيرة آنذاك (الطائف والمدينة) . ذلك أنه يبحث عن مجتمع (مدني) لا عن عصابة لقطع الطريق وإرهاب الناس. وقد شرع يؤسس لمجتمع النظام والقانون فور وصوله إلى المدينة بكتابة وثيقة دستورية تضمن حق الأقلية الدينية في مجتمعه وتضبط العلاقة بين طوائفه المختلفة. تلك هي هجرة النبي محمد (ص) وسعيه, وذلك هو مشروعه الحضاري, فماذا فعل (المهاجرون الجدد) من أنصاره؟ ..لقد هاجروا من المجتمعات المدنية المتحضرة إلى كهوف (تورا بورا) وكهوف (صعده) وأخذوا يطلقون الرصاص على كفار المدينة, وكل الذي معهم مشروع حنبلي أو مشروع عنصري.!

المسلمون اليوم أمام فترتين تاريخيتين في سيرة النبي وصحابته, أطلقوا على الأولى اسم الفترة (المكية) وعلى الأخرى اسم الفترة (المدنية), وأراد فقهاؤنا ومفكرينا أن تكون هاتين الفترتين معياراً تقاس عليه حركة المسلمين في بناء مجتمعاتهم, في تاريخنا القديم والوسيط والحديث, وقد فطن بعضهم إلى ضرورة التفريق بين فقه الفترة المكية وفقه الفترة  المدنية, وهو ما أكدت عليه الدراسات الإسلامية الحديثة على وجه الخصوص, سواء صدرت عن مسلمين أم عن مستشرقين. ولا شك أن قراءة التاريخ والسير أمر مطلوب ديناً وعقلاً لمعرفة  القانون أللإلهي الذي يحكم حركة المجتمعات صعوداً وهبوطاً. لكننا قد نختلف مع بعض القراءات المتعجلة والسطحية التي يمارسها البعض, بعيداً عن منهج علمي راسخ. والمنهج العلمي الراسخ لا يمكنه أن يتجاهل الفروق (النوعية والكمية) بين حركة الرسول الجماعية والمجتمعية, وبين حركة المسلمين في عصور لاحقة, وخصوصاً في العصر الحديث, مما يعني أن قياس حركة المجتمع الإسلامي المعاصر على حركة المجتمع الرسولي دون اعتبار لهذه الفروق هو خبطٌ ولهو لا معنى له.

خذ مثلاً مشكلة الفنون في المجتمعات الإسلامية, فقد استطاع تيار العشوائية الدينية أن يرسخ في أذهان الناس حرمة معظم أشكال الفنون, القولية والبصرية والحركية, مستندا إلى قلة من النصوص الهشّة التي رفضها المحققون أنفسهم, وإلى دليل سلبي هو عدم اهتمام النبي (ص), وربما تجنبه, لمعظم هذه الفنون, كما يفهم من سيرته, وهذا المنطق يتجاهل في طريقه حقائق كثيرة كانت ستغير من اتجاهه لو توقف عندها بصدق وأناة. وأول هذه الحقائق أن النبي (ص) وصحابته قد تنشأوا في مجتمع يكاد يخلو من كل أشكال الفنون الجميلة, وما كان منها موجودا فقد وجدوه مرتبطا بفساد عقائدي أو بفساد أخلاقي. فالأصنام مثلا كانت موجودة والرسوم التشكيلية _إلى حد ما_ كانت موجودة. لكننا لم نسمع عن وجود ممارسة فنية للنحت والرسم عند تلك المجتمعات, وإنما وجدنا ارتباطا بين تلك الرسوم والمنحوتات وبين العقائد الوثنية للإنسان الجاهلي, فكان من الطبيعي أن ينفر عنها النبي (ص) ومجتمع المتطهرين من أدران الجاهلية, وكذلك كانت بعض أشكال فن الموسيقى البدائية والغناء موجودة, ولكنها أيضا كانت محدودة, ومرتبطة ببيوت البغاء والخمرة, وهذا من دواعي استبعادها والنفور منها. ومع ذلك فقد وجد الفقهاء نصوصا صحيحة تثبت قبول النبي (ص) لبعض أشكال الفنون السمعية.

وفرق آخر ينبغي التنبه له عند الحديث عن علاقة النبي وصحابته بالفنون الجميلة هو أنهم جميعا عاشوا في لحظة (تأسيس) الجماعة والمجتمع, وفي لحظات التأسيس لا تكون الأولوية لترسيخ القيم الجمالية والفنية, وإنما الأولوية لقيم (الحق) و(الخير), لأن قيم (الجمال) قيم مساعدة مهمتها الأساسية ترسيخ قيم الحق والخير وتحقيق التوازن النفسي والذهني عند أفراد المجتمع, لأن التوازن شرط في تكوين الإنسان السوي, القادر على استقبال الرسالة السماوية بشكل صحيح, والقادر على البناء الحضاري بمفاهيمه الإسلامية, وإن إهمال جمهور

الفقهاء لهذه القيم وتحريمهم لها قد جعلها خالصة للشيطان يسخرها لغاياته, بدلاً من تسخيرها لغاياتها الأصيلة, وإن غياب هذه القيم الجمالية بهذا الفهم عن المجتمعات الإسلامية هو واحد من الأسباب الرئيسة التي مكنت روح الغلو والتطرف (في الأخذ والترك) من الفرد المسلم, وهيأته للقبول بفكرة الهدم أكثر من فكرة البناء. خلاصة القول إن قياس الفعل التاريخي على الفعل التاريخي خطأ محض, والصواب العلمي هو قياس المنهج على المنهج, والظروف على الظروف. وكل هذا لن يتحقق عندنا إلا بعد التخلص من المقابر الجماعية في العقل العربي!.

esamsk@yahoo.com