أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
الاثنين 18 فبراير 2008 04:02 مساءً

قراءة في فتوى الرسوم الدنمركية!

إرشيف الحدث

صدر الأسبوع الفائت حكم المحكمة المختصة في قضية الصحف المحلية التي كانت قد أعادت نشر الرسوم الدنمركية المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام.وأياً كانت الأحكام الصادرة بحق الصحف  و الصحفيين فإن من اللائق احترامها تعزيزاً لهيبة القضاء. إلا أن صدور الحكم قد بعث لدي رغبة قديمة في التعليق على الفتاوى التي صدرت آنذاك تمنع وتجرِّم إعادة نشر الرسوم المسيئة وتطالب بمحاسبة الناشرين ومعاقبتهم, مع ما رافق ذلك من اتهام معلن أو مبطن لنوايا وإيمان الناشرين!, وكان لابد من الوقوف مع هذه الفتاوى للكشف عن قيمتها العلمية, وللكشف عن طبيعة و حالة الفتوى والمفتي في ديارنا الإسلامية!.

وأعادتني الذاكرة إلى جلسة جمعتني بأحد الأصدقاء الصحفيين المتهمين في هذه القضية, حدثنا فيها عن الآثار السيئة التي ترتبت على الفتاوى والأحكام القاسية التي أطلقها عليهم بعض المتسرعين, وكنت قد أبديت له حينها ملاحظي الناقدة للفتاوى التي تجرِّم إعادة نشر الرسوم المذكورة بغرض البيان والإيضاح, وقد طلب مني حينها طرح هذه الملاحظ أمام المحكمة في جلساتها آنذاك, ورحبت بالطلب لولا أن الصوارف صرفتنا عنه!. فما الذي حدث؟  وما عبرته الدائمة؟

بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في إحدى الصحف الدنمركية, وبعد الضجة التي أعقبت ذلك في العالم الإسلامي, رأت بعض الصحف العربية إعادة نشر هذه الرسوم وبررت ذلك بواجب البيان للناس حتى يكونوا على علم بما يرفضون وتعويدهم على فضائل التثبت والتبيّن, خاصة وأن إعادة النشر قد جاءت في سياق الاستنكار والرفض. وكان منها صحف يمنية تلقت نصيباً كبيراً من الهجوم!.

وبعد إعادة النشر مباشرة صدرت فتاوى من شخصيات بعضها معروف, وبعضها منكر, تجرّم (من الجريمة) هذا الفعل, وتدعو إلى مقاضاة أصحابة!, وكان في مقدمة هذا الفريق الدكتور فضل المراد, أستاذ أصول الفقه بجامعة الإيمان والأستاذ عارف الصبري, الأستاذ بنفس الجامعة, إذا لم تخني الذاكرة, أعقبتها فتاوى مضادة تجيز إعادة نشر هذه الرسوم إذا كان ذلك في سياق الاستنكار والبيان, وكان في مقدمة هذا الفريق الدكتور غالب القرشي, أستاذ علم الأصول بكلية الشريعة جامعة صنعاء. والسؤال هنا: أي الفريقين أقرب للصواب؟ أو أي الآليتين أقرب للحق في الفتوى؟ وماذا ينقص المفتي ليكون أقرب للصواب؟..هذا ما نحاول الكشف عنه في هذا التحليل السريع الذي يتوخى الدقة والموضوعية قدر الإمكان.

أما الفتوى التي تجيز إعادة النشر بقصد البيان والاستنكار فقد قاس أصحابها هذا الفعل على (نقل الكفر) وقالوا إن القاعدة الأصولية تقول إن نقل الكفر ليس بكفر, أو إن ناقل الكفر ليس بكافر, فهذا القرآن نفسه نقل كلام الشيطان نفسه, وكلام الفراعنة والملحدين والمشركين, في سياق البيان والاستنكار, مما دل على جواز ذلك. ومن الواضح أن هذا الفريق قد قاس (رسوم الكاريكاتير) على (اللغة والكلام) فنقل الكفر ليس سوى نقل الكلام, وسنبين لاحقاً صحة ذلك من عدمه. إلا أن المانعين والمجرّمين لهذا الفعل قد ردوا هذا الاستدلال بقولهم: إن إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول لا يعد من باب (نقل الكفر) وإنما من باب (تكرار المنكر) وضربوا لذلك مثلاً فقالوا: لو أن أحدهم أراد أن يخبرنا عن جرائم الزنا في الغرب, وأراد أن (يبين) لنا ذلك بصورة عارية, هل يجوز له ذلك؟ وهل يعد عمله هذا من باب (نقل الكفر) أم من باب (تكرار المنكر)؟.. لاشك أنه من الباب الأخير!.

وللوهلة الأولى (فقط) تبدو حجة المانعين أقوى وأظهر لأنها قاست رسوم (الكاريكاتير) على الصور (الفوتوغرافية) وهذا في _حس الناس_ أقرب وأوضح من قياسها على اللغة والكلام, لأن الرسوم عندهم من جنس الصور.. إلا أن منطق العلم يؤيد قياس المجيزين ويرد قياس المانعين, وذلك على النحو الآتي:

إذا كان المجيزون _ عن قصد أو عن غير قصد _ قد عدّوا الرسوم الكاريكاتورية من جنس الكلام, وإذا كان المانعون قد عدّوا هذه الرسوم من جنس التصاوير قياساً, فليس أمامنا إلا إبطال أحد القياسين لنتبين أي الموقفين أهدى سبيلا, وأي الآليتين أسلم للفتوى, وذلك بالإجابة على السؤال الآتي: إلى أي جنس ينتمي فن (الكاريكاتير)؟ هل إلى جنس التصاوير, أم إلى جنس اللغة؟!..

وبين يدي الإجابة لابد من المقدمة الموجزة الآتية: تدخل التصاوير والرسوم واللغة والكلام وكل أشكال الرموز التي يستخدمها الإنسان للتعبير عن/ والتفكير في وجوده في ما يسمى بـ(علم العلامات), وله عند الدارسين مسميات عدة (السيمياء, السميولوجيا, السميوطيقا) وهذا العلم يوزع كافة الرموز المبثوثة في هذا الكون إلى ثلاثة أصناف تقريباً. ويستند في هذا التقسيم إلى معيار (العلاقة) بين طرفي العلامة الرمزية وهما:

الدال و المدلول, أو المشير و المشار إليه, ويسمي الصنف الأول من العلامات الرمزية بـ (الأيقونة): وهي أي شيء يؤدي وظيفته كعلامة انطلاقاً من مبدأ المشابهة والمطابقة بين (الدال) و (المدلول) كما هي الحال في الصور الفوتغرافية والتماثيل الدالة على أشخاص واقعيين. بمعنى أن العلاقة بين (صورة) رئيس الحكومة وبين رئيس الحكومة (نفسه) مثلاً, هي علاقة تشابه أو تطابق, وهذا يعني أنها علاقة حتمية لا فكاك منها, بحيث أننا لو رأينا (صورة) فوتغرافية لرئيس الحكومة في أي مكان فلن تنصرف أذهاننا إلى شخص غيره, وهذا بحكم البديهة لا بحكم الاصطلاح المسبق. ولعل كلمة أيقونة المأخوذة من اللفظة اليونانية (Icon) تشترك في المعنى مع كلمة (الكينونة) في العربية, وهي تفيد التحقق والتطابق, ولا غرابة في أن يكون لهما أصل لغوي واحد قديم مثل كثير من الألفاظ المشتركة بين مختلف اللغات!.

ويسمي الصنف الثاني من العلامات الرمزية بـ (الدليل): وهو أي شيء يؤدي وظيفته كعلامة اعتماداً على علاقة السبب بالنتيجة, كعلاقة الدخان بالنار, والعلاقة بين الدال (الدخان) والمدلول (النار) علاقة ضرورية يعبر عنها الناس بقولهم: لا دخان من غير نار!. والعلاقة بين طرفي الدليل كالعلاقة بين طرفي الأيقونة من حيث أنها حتمية لا يمكن الفصل بين طرفيها بعكس العلاقة بين طرفي الصنف الثالث من العلامات الرمزية الذي يسمى بـ (الرمز): وهو المعادل الحقيقي لـ (النطق والكتابة) والإشارة (للصم والبكم) وما شابه ذلك, مثل إشارات المرور مثلاً, ويختلف عن الصنفين السابقين في أن العلاقة بين طرفيه (الدال والمدلول) هي علاقة اعتباطية اصطلاحية يبدعها ويتفق عليها الناس, وليست علاقة حتمية.. بمعنى أن كلمة (شجرة) مثلاً التي ننطقها أو نكتبها هي مجرد (دال/رمز) لغوي يدل على شيء موجود خارج اللغة, في الواقع وفي أذهاننا, هو الشجرة نفسها, وقد اصطلح الناس واتفقوا على أن يسموا هذا الشيء (شجرةً). ولكن العلاقة بين كلمة (شجرة) وبين الشجرة (نفسها) ليست حتمية أو ضرورية, بدليل أن الناس يستطيعون متى شاءوا تغيير هذا الاسم واستبداله باسم آخر يدل على الشجرة, وبدليل أن كل مجتمع لغوي إنساني يطلق على الشجرة اسماً مختلفاً عن غيره, ولو كانت العلاقة حتمية أو ضرورية بين اسم الشجرة وبين الشجرة نفسها لما تعددت أسماؤها في الألسنة المختلفة, بعكس الأيقونة والدليل. وكذلك الحال مع إشارات المرور, فقد (اصطلح) الناس على أن يجعلوا من اللون (الأحمر) علامة للخطر ومعنى الوقوف, ومن اللون (الأخضر) علامة للأمان ومعنى الحركة, ولو شاء الناس لغيروا هذه الدلالات, بل وجعلوا منها تفيد العكس بحيث يدل الأخضر على الخطر و الأحمر على الأمان فتأمل!.

وهنا نصل إلى جواب سؤالنا: إلى أي صنف من العلامات ينتمي الرسم (الكاريكاتوري)؟ ولمعرفة الجواب بدقة ينبغي النظر إلى العلاقة القائمة بين طرفي هذه العلامة (الكاريكاتير) أي علاقة الدال (الرسم الكاريكاتوري) بالمدلول (وهو هنا محمد عليه الصلاة والسلام), فهل العلاقة بينهما علاقة حتمية (مطابقة) بحيث أنه لو نظر أي إنسان في هذه الرسوم انصرف ذهنه حتماً إلى الرسول محمد (ص)؟..الجواب: قطعاً لا..بدليل أن هذه الرسوم لو لم يكتب عليها اسم محمد أو أي وصف يدل عليه تحديداً ما عرف أحد أن المقصود بها محمد (ص), بمعنى آخر ليست الرسوم ذاتها هي التي دلت على النبي (ص) وإنما الإشارة اللغوية أو الرمزية التي كتبت معها, وهذا يعني أنها علاقة اصطلاحية لا علاقة حتمية. وكيف لها أن تكون علاقة مشابهة أو مطابقة وليس في هذه الدنيا من رأى وجه رسول (الله)؟!. وبناء عليه فإن الرسوم الكاريكاتورية تنتمي إلى جنس الرموز اللغوية لا إلى جنس الصور الفوتغرافية, ومن ثم فإن قياس (المانعين) قياس فاسد وفتواهم باطلة, وقياس (المجيزين) صحيح وفتواهم صحيحة!.

صحيح أن القضية قد انتهت, والحكم قد صدر, إلا أن العبرة مازالت باقية, ولا شيء يمنع تكرارها, والعبرة تقول إن الفتوى عندنا ينقصها كثير من الدقة العلمية, وكثير من المعالجة الموضوعية, وإن كان لا ينقصها التشنج, وادعاء الغيرة على محارم الله, بلا علم ولا كتاب منير. ومما يؤسف له أن المشتغلين بالعلوم الدينية اليوم (وخصوصاً في بلادنا) شبه منبتين عن حقائق العلوم وتطوراتها,قانعين بما تحصلوا عليه من محفوظات عطّلت كثيراً من قواهم الإبداعية, فهم أقرب للعصر العباسي وهمومه من عصرنا الحديث!.

وهذا يذكرني أيضا بدعوة كنت قد دعوتها في إحدى مقالاتي التي نشرت بصحيفة (صوت الإيمان) الناطقة باسم إدارة جامعة الإيمان تحت عنوان (الفتوى مؤسسة) طالبت فيها بإنشاء مؤسسة كبيرة للإفتاء تظم في جنباتها عدداً كافياً من التخصصات و المتخصصين, أو ترتبط بعدد من مراكز الدراسات والبحوث المعتمدة, يكون من مهامها دراسة الوقائع التي تحتاج إلى فتوى, دراسة دقيقة وشاملة تنظر إلى أبعادها و آثارها على المديين القريب والبعيد, وعلى مختلف الميادين, الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية..الخ, إذ لم يعد بقدرة الفرد أو الأفراد المتناثرين _مهما أوتوا من المعرفة_ الإحاطة بظروف و حاجات الإفتاء في عصر تتشظى فيه المعرفة وتتكاثر بدرجة مفزعة!..هل هي صرخة في وادٍ لا ينبت الزرع؟!.

* المقال نشر قبل فترة في صحيفة الناس ويعاد نشره هنا تزامنا مع قرار الصحف الدنمركية إعادة نشر الرسوم المسيئة.