أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
الجمعة 02 نوفمبر 2012 12:56 صباحاً

بلدة ميتة..!

مروان الغفوري

في تقديمه لكتاب مهم عن الدولة الرسولية يقول الراحل الأكوع إن الإئمة لم يصدروا ولم يدعموا كتاباً واحداً في سبعين عاماً من حكمهم. لكنه عندما يباشر الحديث الإجمالي عن الدولة الرسولية (سقطت سنة 1454م) فهو يكتب "عصرها كان أخصب عصور اليمن ازدهاراً بالمعارف المتنوعة، وأكثرها إشراقاً بالفنون المتعددة, وأغزرها إنتاجا بثمرات الأفكار اليانعة في شتى ميادين المعرفة, وما ذاك إلا لأن سلاطين وملوك الدولة الرسولية كانوا علماء فاهتموا بنشر العلم في ربوع اليمن على نطاق واسع ". وعلى نحو مثير تجده فيما بعد يحاول تفسير الظاهرة الثقافية التي سيطرت على المشهد الرسولي فيخمن إن الحكام الرسوليين كانوا يعتقدون أن الثقافة جزءٌ من نسيج هيبة الدولة..

 

هذا المدخل مجرد كشاف صغير لليمن بين دولتين، بين زمنين. زمن الأئمة المناهض للكتب، للمعرفة، المساند النظري والتطبيقي لعملية تجهيل تاريخية. كان هو المنفستو العظيم الذي فتح الباب الذهبي لزمن علي عبد الله صالح. واصل نظام صالح سيرة سلفه: يمن بلا كتب، بلا معرفة. حتى في الجنوب كان باذيب ينتج الكتب، لكن شباب الثورة في الجنوب لم يحملوا قط صورته، وبدلاً عن ذلك يحملون على أكتافهم صور أمراء حروبهم الأهلية، سلالات شيفا غير المتناهية. باستثناء صورة وحيدة لباذيب التقطت في مظاهرة لشباب الثورة في تعز، التقطها في حينه خالد عبد الهادي، فلم يتسع المشهد اليمني لأصحاب الكتب. في الشمال ينتحب الثوار أمام لحظة رحيل الحمدي لكنهم لا يتبادلون عناوين كتب البردوني.

في العام 2008 حضرت الحكومة، ممثلة في الرئيس مجور، لافتتاح ندوة تاريخية بمناسبة إصدار كتاب" قائد ووطن، ثلاثة عقود من التحولات". فارس السقاف، المثقف ورئيس الهيئة العامة للكتاب آنذاك، سجل شهادته حول مضمون الكتاب بجملة قاتلة للزمن: إن احتفالنا بهذا الإصدار ليس احتفاءً بشخص وفردانية، وإنما هو سيرة ومسيرة، ترجمة ذاتية وتاريخ أمة وأرض.

كانت دائرة التوجيه المعنوي قد عملت كماكنة رسولية، تنتج الخداع الجماهيري والخوف معاً. بشرت بزمن صالح الفائت وبما سيأتي. استعانت بمجموعة ضخمة من المثقفين الأميريين، بتعبير نزار قباني. أولئك، كما يقول قباني، الذين يعيشون بمأمن عن الاستبعاد وشظف العيش، ويمارسون الكتابة كوظيفة بكل قدرية وامتثالية وانضباط وطمأنينة الوظيفة العامة. السقاف، المثقف المعروف، نصح المؤرخين أن لا يتجاهلوا حقيقة أن التاريخ الشخصي لصالح هو تاريخ الجغرافيا اليمنية، والأمة اليمنية. في الاحتفالية ذاتها، احتفالية إصدار كتاب عن الحاكم في بلد لم يعد ينتج الكتب منذ زمن بعيد، كانت ورقة مثقف آخر(نصر طه مصطفى) تتحدث عن النهج المتفرد للحكم عند صالح. سردت الورقة الكثير من نماذج الفرادة كما يراها مصطفى، بلا أدنى تقدير للموقف التاريخي والأخلاقي منها. مثقف ثالث، سمير اليوسفي، لم يفته أن يقدم ورقة حول "الأخلاق النبيلة لعلي عبد الله صالح". بالنسبة لليوسفي فقد تجسدت أخلاق صالح النبيلة في غفرانه لمن بقي على قيد الحياة من قيادات الحزب الاشتراكي. أسماهم: مثيرو فتنة 94م.

اليمنيون لم يعودوا ينتجون الكتب. لقد فعلوا ذلك في السابق كثيرا. رسالة الدكتوراه للبروفيسور عبد الغني الأهجري، قدمت لدى جامعة المنصورة، عرضت جزء مشرقاً من سيرة المعرفة لدى اليمنيين في أزمنة سابقة. لم يعد اليمنييون أيضاً يشترون الكتب. سوق الكتب في اليمن هو أكثر الأسواق كساداً. فلا وجود لدور نشر، وكلاء نشر، منافذ للبيع، ولا لمؤلفين. لا يفكر أصحاب المال في الاستثمار في مجال إنتاج وبيع الكتب، فلا توجد إشارات حقيقية لوجود مستهلكين. كان الكاتب المعروف أحمد الفقيه قد أشار قبل ثلاثة أعوام إلى ظاهرة سوسيو-سيكولوجية لافتة. حيث تتغير استعدادات وأمزجة الجمهور، وميوله العامة، طبقاً لمزاج طبقة الحكم وتفضيلاتها. قال الفقيه إن مواطني الخليفة سليمان بن عبد الملك انهمكوا في أصناف الطعام لأن مزاج الخليفة كان مستهلكاً في لذة الطعام. بينما كان مواطنو سلفه، الوليد، منهمكين في العمارة بسبب ميل الحاكم إلى فن العمارة والتشييد. كذلك مواطنو زمن صالح، داروا معه حيثُ دار.

تمثل الطبقة الحاكمة في الوعي الجماعي، في العادة، أعلى أشكال الارستقراطية. يعتقد المختصون بدراسة سيكولوجيا الجماهير إن جملة "كما يولى عليكم تكونون" أكثر صحة من مقلوبها. نظام صالح لم ينتج عن نظرية، لكنه استخدم أجيالاً كثيرة من الكتاب الأميرين. استمر بلا خطاطة سوى مسودة أمنية بسيطة تهدف في خلاصتها إلى تحقيق الامتثال الإجباري. في واحد من خطاباته في الثورة ألمح الجنرال علي محسن لهذه الواقعية التاريخية، وأعاد التذكير بأن المثقفين، وليس فقط العسكريين, عملوا خدماً مع صالح وطوعوا الجماهير لأجل رغباته. بدأ صالح زمنه بتدمير شبكة اليسار القومي، طبقة من المثقفين الطليعيين. طبقاً لقاعدة خروشوف "عندما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي" عمل صالح. الإعلامية رحمة حجيرة، تعمل الآن لدى شبكة صالح الإعلامية، كتبت قبل سنوات في رثاء تلك الحقبة السوداء التي أطل منها رأس التنين. قالت إن أحد أقربائها كان من الضحايا المبكرين، المثقفين الذين أسقطهم صالح من الواجهة بقوة الرصاص، وإنها لن تنام قريرة العين حتى تراه في حبل المشنقة. لكن ما يهم الآن في هذه الموضوعة هو أن صالح أنتج وضعاً اجتماعياً ونفسياً جعل مثقفاً مهماً يلاحظ بذكاء إن العلامة الوحيدة لتحسن الوضع المالي للمواطن اليمني هي التحسن البطيء في نوعية القات الذي يستهلكه. في السيرة اليمنية المعاصرة لا يزيد عدد الكتب الموجودة على الرف مع زيادة الدخل. صالح نفسه لا يقرأ الكتب. حتى عندما وعد محمد بن راشد آل مكتوم أمام الكاميرات بأنه سيقرأ كتاب "رؤيتي" ويعطي رأيه، فإنه لم يفعل. وقد سبق أن ذكرته في ثلاثة مقالات متسلسلة في صحيفة المصدر 2009 بأن عليه أن لا ينسى، فربما كان آل مكتوم لا يزال ينتظر.

"فارس العرب" و"قائد العصر الجديد" كتابان أيضاً عن صالح، من جملة مجرة كبيرة من الكتب عن الرجل في بلد لا يستهلك الكتب: عن المستقبل، ولا عن الماضي.

في مارس 2012 قال صالح لجماعته المقربة إنه بصدد كتابة سيرته الذاتية "قصتي مع الثعابين" كما نقل موقع العربية نت في حينه. حكم صالح لثلث قرن، ألف فيه الثعابين عن حكمته ورحمته أكثر مما ألفوا عن تاريخ الأنبياء. مع خروجه من المشهد قال إنه سيكتب عن الثعابين، لا عن اليمن.

في الثلث قرن الأخير من تاريخ اليمن مرت أعوام كاملة لم ينتج فيها اليمنيون كتاباً واحداً. لكن نادراً ما مر عام عليهم دون ظهور كتب عن صالح. ففي عام 98م، على سبيل المثال، الكاتب المعروف نصر طه مصطفى يجمع أوراقه في كتاب "ع.ع. صالح التجربة وآفاق المستقبل". حمد الله في المقدمة لتوفيقه في هذا العمل المهم للتاريخ والأمة اليمنية. قدم نفسه في غلاف الكتاب بوصفه "أحد مؤسسي حزب الإصلاح". في الصفحات الأولى أدان حكم الحمدي. قال إنه كان خروجاً على الشرعية الدستورية وتدميراً لسبع سنين من تجربة الحكم المدني. عندما اقترب المؤلف من لحظة وصول صالح إلى السلطة قال إن مجلس الشعب خير بصورة حضارية بين رجلين: القائد العام، الشيبة، ورئيس الأركان، صالح. فانحاز مجلس الشعب بصورة طوعية نادرة للرجل الثاني، صالح، بنسبة 75%. 25% امتنعوا عن التصويت، بينما نال القائد المحبوب "الشيبة" صفراً! يترك الكاتب قراءه دون تحليل لهذه العملية الانتخابية النادرة، فهو ربما يخشى من أن تورطه في التحليل والشرح قد يفتح الباب للتشكيك في سيرة بطله التاريخي. لكنه يفضل أن يروي بصورة مباغتة: وسرعان ما بدت ملامح الدهاء لدى الرئيس الجديد .. إلخ. التاريخ نفسه يدرُك أنه، في هذه النصوص، يتعرض لعملية تجريف تاريخية.

كان صالح تفاحة كل شيء، شوكة الميزان. لم يكن علي محسن الأحمر سوى أحد أبراج الحراسة. لكن مؤلفي الكتب وكتب الافتتاحيات والمهيمنون في غرف صناعة الأخبار كانوا أخطر الخاطفين على الإطلاق. رصاصة علي محسن لها دوي بينما كانت حمامات القطران التي يسكبها مثقفو "الآداب السلطانية" تقتل أجيالاً كاملة بتزييف بارد. لقد باعوا زمناً مذهلاً في لا-إنسانيته ووحشيته، زمن صالح. مؤلفو الكتب وكتاب الافتتاحيات حدثونا عن ملامح الدهاء والإنسانية اللامحدودة في سلوك وخطط صالح. كتب علي الشاطر، الرجل الذي لا تزال صحيفة الجمهورية تحجزُ له الصفحة الأخيرة ليقول فيها كل تلك الأشياء التي لا قيمة لها، إن الديموقراطية تجري في صالح كما يجري الماء في العود الأخضر. وكتب رئيس تحرير الصحيفة، لا يزال حتى الآن في المنصب ذاته، إن صالح أعظم ديموقراطي في العالم الثالث. أما عبد الملك منصور، يقدم نفسه دائماً كبروفيسور وأحياناً كثائر، فقد اعترف إن نسبة كبيرة من مقالات التمجيد التي كانت تنشر باسمه وصورته في صحيفة 26 سبتمبر لا يعرف عنها شيئا، لكنه لا يسعه سوى الصمت. تتذكرون بالطبع قصيدة الراحل النواب "بالخمر والحزن بلادي": ما هذا الصمت المتحرك في الشارع إلا إخصاء/ يحتاج البحرُ إلى إصلاحٍ، والغرق الآن هو الميناء.

توقف اليمنييون عن إنتاج الكتب، والأفكار الخلاقة، عن الإبداع جملة واحدة. لكن يمنيين شطاراً كتبوا إلياذة سيئة في مديح الهلاك، في طائر الخراب، بتعبير سروري. قبل أيام قال لي ضابط مرموق في الفرقة الأولى مدرع إن الفرقة كلفت بعض الضباط المحترفين بكتابة سيرة الثورة، ثورة فبراير. وربما كنا على موعد جديد مع تجريف جديد للتاريخ. فنحن لم نعد ننتج سوى الكتب الأميرية، عبر كتابنا الأميريين. وعندما نغضب ننسى أنهم فعلوا بتاريخنا كل ذلك القدر الهائل من التجريف والخيانة. حتى الشعر، فقد كتب الريمي، أستاذ في جامعة تعز، في مديح صالح نصاً أطول من "نشيد أوروك" لعدنان الصائغ. كتب الصائغ نشيده في 600 صفحة، لكن البروفيسور الريمي قال في أوروكه الخاص، صالح، ما عجز عنه حتى هوميروس الطيب..