أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟
الحوثيون جماعة صغيرة تسكن شمال اليمن، قامت باحتضانها إيران في مواجهة السعودية وحكومة صنعاء، ضمن مشروعها زرع
اليمنيون في مرمى نيران قياداتهم
يمر اليمنيون في الداخل والخارج بأقسى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في تاريخهم الحديث التي أحالتهم إلى
عن وقوف الكويت إلى جانب الشعب اليمني
 رغم أن دولة الكويت ليست دولة ذات ثقل محوري وتأثير كبير في العمليات العسكرية لـ " التحالف العربي لدعم
اللادولة أولاً
يتحدث الرئيس هادي من المنفى عن 80% من الأرض جرى تحريرها. وعندما حاول العودة إلى العاصمة المؤقتة مُنعت طائرته من
مشهد أشبه بكائن خرافي
تخلي الحوثيين عن تحالفهم مع صالح مؤشر هام على أن قراءتهم لترتيبات الحل السلمي تسير بخطى جادة هذه المرة. إنتهت
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
السبت 18 يناير 2014 08:28 صباحاً

عن الحوثي والحجوري..معارك نواب الرسول

مروان الغفوري

 

"والله إنهم معتصمون بحبل الشيطان". أطلق الشيخ الحجوري هذه الصرخة من على منبره أكثر من مرّة محذراً من "عملاء الأميركان" و"الماسونيين". لم يكن يقصد سوى شباب الثورة. يمكن للمرء ببساطة مراجعة "حافظ العصر"، بحسب تعبير القرضاوي، اليوتيوب. ستقف أمام الحجوري وجهاً لوجه. في واحدة من تجلياته يقف أمام تلاميذه في مركز الحديث، دماج. يقرر هذه المرّة تناول توكل كرمان. يصلح هندامه، يثني على الإله، ثم يصلي على الرسول. سيكون على تلاميذه أن يشدوا انتباههم إلى الشيخ المعالج، فهو الوريث الوحيد للنبي محمد في تلك الجبال. يقول الحجوي عن منح جائزة نول لتوكل: العرض مقابل الجائزة، جائزة نوبل مقابل عرض هذه الماسونية.

كان الحجوري غاضباً على نحو غير مفهوم. خصص خطباً بلا حصر ضد الثورة، ضد شباب الثورة. كان حريصاً على إدانة الثورة من زاوية "من أباح لكم الثورة". إنه يعني، بصورة واضحة، أمراً يخصه. فهو الوريث الوحيد للعلم الشرعي، أي للسر الإلهي المودع لدى محمد. لا ينبغي، والحال كذلك، أن يحدث أمر جلل في بلاد المسلمين دون "إباحة" خاصة من قبل الحجوري. سيهاجم ـ في واحد من دروسه ـ القاضي الذارحي لأن الأخير قرر أن لا يستخدم مصطلح "فخامة الرئيس". بالنسبة للحجوري: لقد سقط الذارحي من عليائه، وأصبح يجري وراء امرأة. تمر ثلاث سنوات مكتملة. يفاجأ وريث النبي بوريث آخر، يقف على مشارف الجبل، سيكون اسمه عبدالملك الحوثي. يتنازع الرجلان ذراع النبي، يستخدمان خطابين متطابقين، ويرتكزان إلى حشود مطوّعة، توقفت عن التفكير بصورة نهائية، وتحوّلت إلى آلة. سيستحدم الرجلان ما لديهما من آلات، وستنشأ بينهما حربٌ قذرة. كعادة مثل هذه الحروب ينطبق عليها المثل الهندي: السائق لا يموت.

عندما يغادر الحجوري دماج على ظهر مروحيّة ينظر إليها من زجاج نافذته، ويدرك إنه لن يعود إليها بعد ذلك. أما خادمه المطيع سرور، ستكون رتبته "الناطق الرسمي"، فلن ينسى أن يقول للشعب اليمني، بينما هو يحزم حقائبه: لم يقف معنا في محنتنا هذه سوى علي عبد الله صالح.

انطلق الحوثي إلى دماج من "ملازم" السيد حسين. لكن السلفيين وصلوا إلى دماج عبر كتاب "الطريق إلى الجماعة الأم" و"الفرقة الناجية والطائفة المنصورة". قال الحوثي لأتباعه إن الله يبعث لهذه الأمة من وقت لآخر من يجدد دمها ودينها. أعجب الحوثي بالفكرة، فأوردها في واحد من أخطر خطاباته الجماهيرية. شرح الفكرة بطريقة ملتوية، وكانت النتيجة: أنا.

في الجانب الآخر من الصورة المتحركة ذاتها يقف الحجوري ساخراً من الجمهورية في أعلى صورها، وناقماً عليها كما في واحدة من خطبه المهّمة. انفعل الحجوري على المنبر، ثم صرخ: من أحل لهم قتل الإمام المسلم يحيى حميد الدّين.

دعونا نتذكر أمراً جللاً. ثمة نص ديني يقول " .. وتختلف أمتي إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". يقول الحجوري: نحن. ثم يشرح الحديث، فيقول كلاماً ملتوياً نتيجته: أنا.
بالنسبة للمتخصصين في علوم الحديث فربما اطلعوا على بحث شديد الأهمية، أشار إليه محمد عماره أكثر من مرةّ، توصل صاحبه إلى أصل مختلف للحديث: " تختلف أمتي إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في الجنة إلا واحدة". بمقدور الحجوري أن يصمد أمام أي درجة من الاستفزاز، إلا أمام هذه الرواية المختلفة للحديث. فهي رواية تقول إن كل الناس، في الغالب، سيدخلون الجنّة. هذا الأمر يصيب الحجوري بغضب غير مفهوم. يا للتعاسة! فالذين لم يحزنوا لخروج سلفيي دماج من أرضهم لا يبدو أنهم اقترفوا إثماً عظيماً. فالحجوري نفسه لم يكن يشعر بالحزن وهو يرى خروج سبعين فرقة مسلمة من الجنة إلى الجحيم!

ياللغرابة! الامتياز الوحيد للحجوري، وفرقته الناجية، هو أنهم أخيراً واجهوا خصماً أقل شرفاً منهم، وأكثر نازوية. لا يمتلك سلاح الرجلين، الحوثي والحجوري، أي طهارة. فهذه المعركة الانتحارية بدت كما لو أنها بين جاليتين: جالية سعودية، وجالية إيرانية، على أرض محايدة.

يعيش السلفيون، بصورة واضحة، في كل الدول كجالية سعودية بالمعنى الثقافي والسياسي، والنفسي. يمثلون أكبر بروكسي سعودي عابر للحدود. فعندما قررت السعودية أن تغير قواعد اللعبة في مصر وتونس وتركيا ضداً لتطلعات الفئات الحيوية للديموقراطية والمستقبل فإنها أحدثت اختراقاً كبيراً عبر تحريك شرائح السلفية.

أما الحوثي فإنه يرتمي على نحو متزايد في أحضان إيران. هذا البروكسي الإيراني الخطِر لا يهدد السلم الأهلي وحسب، بل يهدد الزمن نفسه. قررت السعودية أن لا تتورط في حربٍ طائفية جديدة في اليمن، بعد أن أشعلتها في البحرين، لبنان، العراق، وسوريا. لا يعرف أحد على وجه التحديد لماذا أجلت السعودية هذا الأمر، ولا على أي مستوى رتبته. الإشارة التي وصلت مؤخراً من الرياض: حالياً، لا نعد الحوثي خصماً لنا. لذلك خسر السلفيون الحرب، أو انسحبوا منها. قال ناطق الحوثيين: أدركت السعودية وجودنا على الأرض. في الواقع، تبلغ الوشائج النفسية التي تربط السلفية بالسعودية حداً غير متخيل، حتى إنهم سيخسرون الحروب التي تريد لهم السعودية أن يخسروها. هذا المستوى من التفاني "الوطني" النادر يؤكد على الدوام كم إن السلفية، التي قتلت في العالم 1922 حوالي 2000 حاجاً يمنياً بعد أن تحرشت بهم باعتبارها "زيوداً"، هي على الدوام بروكسي سعودي عابر للحدود.

هذا السيناريو ممكن: عندما يمتلك السلفيون القدرة النارية الكافية فإنهم كانوا سيجبرون الحوثيين على ترك مساجدهم وقراهم. ليس من قبل الفرض الذي بلا دليل. فبعد الحرب الأولى، 2004، كان خطباء السلفية يجوبون المناطق الزيدية محروسين بسيارات الجيش. وكانوا في خطب الجمعة يعتدون على مشاعر المصلين المهزومين، ويسفهون معتقداتهم وأحلامهم ومشاعرهم.

الحوثي قائد نازي، مرجعيته الأخلاقية نازية الطابع، ضداً للحضارة والمساواة. يتسلل في الضواحي والقرى بورقة امتياز بيولوجي مجرّمة دولّياً، وأخلاقياً. يعد الناس بالأمن، ولا يعد بالمجتمع المفتوح، ولا الديموقراطية. لا يمنع الموسيقى وحسب، بل القرآن الكريم بصوت السديس، بحسب منظمة وثاق. ينتصر، لكنه مأزوم ومرتبك. فلا يمكنه التحوّل إلى حزب سياسي. لأن من شأن ذلك أن يجعله أقلية برلمانية على غرار تيارات الخضر. كما لا يمكنه أن يعبر عن وجوده بوصفه واجهة المذهب الزيدي، فالحوثي أسرة هاشمية ضمن حوالي 170 أسرة هاشمية في اليمن كلها تعتقد بوزنها الاجتماعي والديني والأخلاقي.

هناك طريق واحد إجباري للحوثي، أن يستمر في الحروب حتى تقف دباباته. وبالطبع حتى ينهزم. الحوثي لن يتوقف عند إعلان نتائج الانتخابات، بل عند احتراق آخر دباباته. إنه يعي هذه الحتمية، ويبدو ذلك من خلال ملامحه عندما يلقي خطاباته.

إلى حد بعيد يتشابه الرجلان: الحوثي، والحجوري. يستخدمان التاريخ في تخريب المستقبل. يرث الحجوري النبي محمد عن طريق احتكار تعريف رسالته. بينما يرث الحوثي النبي محمد عن طريق تقديم نفسه النائب السياسي الوحيد للنبي محمد.

تساءل الحجوري "من أباح لهم الثورة" وكان يقصد: كيف تصرفوا بعيداً عن إذني. لكن الحوثي قدم سؤالاً أكثر رعباً "من منحهم الدولة" وكان يعني إن رئاسة الدولة مهمة إلهية خاصة وضعها الله في سلالة بشرية معيّنة انتهت، في الوقت الراهن، إليه. صرخ الحجوري في مريديه، في المسجد: هذه المرأة فاجرة. بالطبع، كان يعني توكل كرمان. عندما يمتلك الحجوري القوة الكافية سيلقي القبض على المرأة الفاجرة وسيجلدها سبعين جلدة في ميدان عام. وبطريقة ما سيدفع الكثيرين إلى مغادرة المدينة، كما فعل الحوثي مع أصحابه.

هذا الزمن التعيس يضعنا بين خيارات مرعبة، مجنونة، بلا عقل، ولا عمق: إما الحوثي، وإما الحجوري. تعالوا نر السلفيين المهجرين من دماج كيف ينتهكون قداسة الإنسان في السعودية. وصلتني هذه الرسالة، بصورة خاصة، هذا النهار من السعودية. شاب يمني رش طفلين من بخّاخة عطر في المحل الذي يعمل فيه. دعونا نستمع إليه، ليكمل قصته مع الرقابة السلفية في السعودية:

" ... بقيت في السجن ثلاثة أشهر حيث تم استدعائي إلى قسم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندما رأيت ثلاثة مشائخ استبشرت خيراً لظني أنهم سينصفونني.. غير أنهم بعد اطلاعهم على محضري ألقوا القبض علي وبعد التحقيق قاموا بإصدار حكم بجلدي 70 جلدة فصرخت متظلماً فقالوا لي (اسكت) وعندما أصررت على الكلام بهدف التوضيح لهم أني مظلوم ولكي أطلب منهم أن يطلبوا جيراني ومعارفي وأصدقائي السعوديين ليسألوهم عني وعن أخلاقي وسلوكي قام الجنود بصفعي وضربي ضرباً شديداً واقتادوني إلى هيئة تنفيذ الأحكام لتنفيذ الحكم الصادر ضدي حيث أخذوني إلى قاعة أخرى داخل سجن الدمام وهناك سلموا ملفي إلى هيئة تنفيذ الأحكام المكونة من 5 مشائخ وبعد اطلاع الثلاثة الجالسين على منصة القاعة قام أحدهم بتوجيه هيئة التنفيذ الفعلي بسرعة تنفيذ حكم شيخ الهيئة بإقامة حدود الله فظننت أنه بعد تنفيذ الحد سيفرجون عني، فإذا بالشخصين المطوعين يقولان لي تعال فذهبت إليه فقالا اخلع ثوبك فخلعته وأمروني أن أخلع ملابسي العلوية الداخلية فخلعتها فجاءني جندي وأعاد الكلبشة إلى يدي وقيدني، وعندها حضر شخص أسود وفي يده سوط قصير وعريض فقال له المطوع سمي الله فكان ذلك العبد يسمي الله ويجلدني في الظهر وكان المطوع الثاني يعدها جلدة جلدة حتى بلغت 70 جلدة عندها قال للجلاد.. يكفي بارك الله فيك وخلال عملية الجلد كدت اسقط على وجهي غير أن الجنود الذين كانوا حولنا مسكوني من السقوط" ..

انتهت حكاية الشاب اليمني بشطب إقامته ومصادرة مدخراته وطرده من السعودية بحكم الهيئة السلفية!
.. منع الحوثي الانتخابات الرئاسية الأخيرة في المناطق التي حررها من الدولة! أما أبو الحسن الماربي، شيخ الحجوري ومربّيه، فقد وقف في مهرجان صالح الانتخابي في مأرب وألقى خطاباً محشواً بالنصوص. نصح الأمة باحترام حديث "من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه". كان يشير إلى الموقف السليم من فيصل بن شملان: قتله.

دعونا لا ننسَ أن الحوثي يلعب لعبة حرجة، كان ممكناً أن يكون الحجوري بطلها لو تغيرت الظروف قليلاً أو كثيراً. وأن هذه الحرب التي انتهت بالأوكسيدوس الكبير، خروج السلفيين من دماج على طريقة اليهود من مصر ودخول الحوثي دماج على طريقة المسيح إلى أورشليم، انتهت فقط في دماج. يعبئ السلفيون الآن ذاكرتهم للأيام القادمة، أو السنوات القادمة. أما معلقات البكاء التي نجود بها عليهم فلن تفعل أكثر من أن تربي نزعة الانتقام لدى هذه الجماعة المضادة للمجتمع الحديث.

هذه ليست المرة الأولى التي يترك فيها عبد الملك الحوثي مهجّرين، ومشرّدين. فعلى طول خط قواته المسلّحة يتواجد حوالي ثلث مليون مهجر. كما أنه ارتكب في محافظة صعدة، خلال عامين فقط، حوالي 14 ألف جريمة بحسب دراسة ميدانية أجرتها منظمة وثاق.

باختصار: الحوثي هو القرحة التي تتآكل جسد اليمن. وعليه أن يتعلم من ضحاياه، أن يقرأ شفاههم. فالسلفية، التي تنطوي في جوهرها على شعور خاص بالامتياز والاصطفاء، وقعت أخيراً في الفخ، وخرجت عن القضبان. على الحوثي أن يتذكر لحظة خروج السلفيين من دماج جيّداً.

الدولة القادمة، الدولة التي لا تزال على الورق، عليها أن تضع كل هذه الوقائع الوحشية نصب عينيها وهي تعبر الجسر.