أراء وأفكار
Google+
مقالات الرأي
هل يمضي التحالف في دعم الانفصال؟
يبدو أن أبو ظبي بدعم من الرياض تمضي دون أي اكتراث في خطتها لتفكيك اليمن، عبر تكريس سلطة موازية في المحافظات
التكتل الجديد ضد طهران
الحقيقة فاجأتنا التحولات بسرعتها. فمنذ إعلان واشنطن قرارها ضد حكومة إيران، بدلت بريطانيا وألمانيا موقفهما،
ملاحظات حول ما جرى في مأرب اليوم
قتيلان في مأرب: واحد من الأمن والآخر من المحتجين، الذين تجمعوا اليوم أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على بعض
هل يتخلى صالح عن الحوثي؟
عن مواجهة الحوثيين الموعودة في صنعاء، يقول مسؤول الدعاية والإعلام في فريق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله
حماقة المنتقم
لم يعد أمام صالح من شيء يعمله إزاء تضييق الخناق عليه من قبل حليفه الحوثي سوى الكلام .. الكلام وحده ، وليس أكثر
سفارة أمْ قسم شرطة!
سفارتنا في موسكو تأمر باعتقال الطلبة اليمنيين!ماهي علامة الديبلوماسي الفاشل؟أن يصبح شرطيًاويعتقل
آخر الأخبار
اختيارات القراء
اتبعنا على فيسبوك
الأربعاء 25 نوفمبر 2015 07:16 مساءً

الاحتلال والمقاومة في التاريخ العربي

د. عبد الله أبو الغيث

يعرف التاريخ بأنه "معرفة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل" وبذلك فإن المهمة الحقيقية لأي مؤرخ ودارس تاريخ ومهمتنا كأحفاد لأولئك الأجداد الذين تركوا لنا ذلك التاريخ إنما تتمثل في استقاء العظات والعبر من بين سطوره من أجل تجسيد إيجابياتها وتجنب سلبياتها في واقعنا المعاش.

   ولقد شهد الوطن العربي عبر تاريخه الطويل العديد من قوى الاحتلال والهيمنة الأجنبية التي عملت من أجل السيطرة على مقدراته ونهب ثرواته والتحكم بموقعه الاستراتيجي الفريد‘ ومارست الذل والاحتقار ضد أهله وناسه؛ الذين بدورهم لم يستكينوا أو يستسلموا ولكنهم اندفعوا نحو مقاومة تلك القوى الاستعمارية   من أجل طردها من على ثرى الأرض العربية الطاهرة؛ في قصص يفخر بها الزمان تم تخليدها في كل شبر من أراضي الوطن العربي المترامية الأطراف: على أحجاره ورقمه وبردياته ومسانده ومخطوطاته ووثائقه ومدوناته التاريخية.

   وموضوع المقاومة العربية لقوى الاحتلال موضوع كبير يحتاج إلى أسفار عديدة لتدوينه ليكون نبراساً يهتدي به الأحفاد وهم سائرون على درب أجدادهم ، ونحن من خلال هذه المحاضرة إنما نقدم رؤوس مواضيع نسلط من خلالها الضوء على تلك المقاومة علنا نلفت أنظار الجهات المعنية بتدوين التاريخ إلى أهمية تدوين هذا الجزء من التاريخ التليد للأمة العربية المجيدة

*ظهور موجات الاحتلال الأولى في الوطن العربي

   تعرض الوطن العربي لموجات الاحتلال ابتداءً من فجر تاريخه وبالتحديد من أواخر الألف الثالث قبل الميلاد عندما أجتاح الجوتيون القادمين من جبال إيران بلاد الرافدين وعاثوا فيها فساداً ، وقاموا بتدمير مدينة أكد ومحوا معالمها إلى درجة جعلت المؤرخين يعجزون عن تحديد موقعها حتى الآن. وقد تميزت فترة سيطرتهم على بلاد الرافدين بالذل والقهر الذي فرضوه على أبنائه ونظرتهم بعنجهية إلى تفوقهم الحضاري ، وهو ما جعلنا نجعلهم في مقدمة موجات الاحتلال التي تعرض لها الوطن العربي رغم أن بعض الموجات قد سبقتهم في استيطانه؛ ولكن في هجرات سلمية اندمجت بسكانه وأثرت  وتأثرت بحضارته.

   وقد شهد الوطن العربي في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد اكتساح استعماري آخر تمثل بتلك الأقوام القادمة من وسط آسيا على أرجح الآراء التي اجتاحت العديد من البلدان العربية حيث عرفوا بمسميات مختلفة في المناطق التي سيطروا عليها؛ ففي العراق عرفوا بالكاشيين وفي سوريا بالحوريين وفي مصر بالهكسوس، وقد واجهتهم شعوب المنطقة بالمقاومة التي اشتركت فيها كل فئات المجتمع بما فيهم النساء حيث نجد في مصر مثلاً أن أعح حتب زوجة الملك المصري سقنن رع قد تولت عملية  قيادة المقاومة المصرية ضد الهكسوس بالاشتراك مع ولديها كامس وأحمس وذلك بعد سقوط زوجها صريعاً في ميدان المعركة.

 

*الفرس الأخمينيون يكتسحون المشرق

   كان الأخمينيون يحكمون في بلا فارس وقد دخلوا في صراع مع الدولة الآشورية وعملوا من أجل القضاء عليها حيث دعموا حركات التمرد ضد حكمها وتحالفوا مع الكلديين الذين تمكنوا من اسقاط الدولة الآشورية عام (612 ق.م) وأقاموا الدولة البابلية الحديثة، وعندما وجد الأخمينيون أن الدولة الكلدية (البابلية الحديثة) قد سارت على خطى سابقتها في التعامل معهم كنوا لها العداء وبدأوا يعملون من أجل إسقاطها هي الأخرى حيث وجدوا الفرصة مواتية لهم عندما أنتقل الملك الكلداني الأخير نبونئيد من بابل إلي تيماء في شمال الحجاز ليتخذها مقراً لإقامته حيث اكتسحوا بابل بقيادة ملكهم قورش وابنه قمبيز عام(539 ق.م) ثم واصلوا زحفهم نحو سوريا وفينيقيا ومصر وقد لعب اليهود دوراً رئيساً في دعم السيطرة الفارسية على المنطقة وبالمقابل أعتمد عليهم الفرس في إدارة البلاد المفتوحة وإخماد مقاومة شعوبها. وقد تعامل الأخمينين مع شعوب المنطقة بقسوة إلا أن ذلك لم يمنع اشتعال المقاومة ضدهم طوال فترة سيطرتم.

 

*الإسكندر المقدوني وبداية الأطماع الأوربية في الوطن العربي

   عندما ظهر الإسكندر المقدوني غازياً في الشرق في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد رحبت به شعوب المنطقة العربية في بداية الأمر ونظرت إليه على أنه مخلص لها من نير الاحتلال الفارسي حيث حل بدلاً عنهم في احتلال سوريا وفينيقيا ومصر والعراق، ورغم أن الإسكندر المقدوني قد أظهر احترامه للحضارة الشرقية رغبة منه في كسب ود أهل البلاد المفتوحة إلا أنه قد ضرب بعنف المدن التي أظهرت له المقاومة ورفضت الخضوع لسيطرته مثل مدينتي صور وغزة التي ضربت أروع الأمثلة في الصمود والمقاومة تجاه الاحتلال اليوناني القادم من أوروبا، وقد باغت الموت الاسكندر وهو يخطط لاحتلال الجزيرة العربية خصوصاً اليمن لينتزع من أهلها تجارة البخورالذي يدر عليهم أرباح طائلة.

   وبعد وفاته تقاسم قادته المنطقة وأنشأوا لهم دولاً فيها حيث قامت الدولة السلوقية في سوريا والعراق وقامت الدولة البطلمية في مصر وقد واصلت الأخيرة مشروع الإسكندر المتمثل في انتزاع السيطرة على الطريق التجاري من أيدي اليمنيين حيث تمكنوا بالفعل من تحويل جزء كبير من تجارة الطريق البري المار عبر الجزيرة العربية إلى طريق البحر الأحمر الواقع تحت هيمنتهم الأمر الذي أثر سلباً على أوضاع اليمنيين وسكان الجزيرة العربية عموماً. وقد ظلت دولتي السلوقيين والبطالمة تحكم في المنطقة حتى ظهور الرومان في القرن الأول قبل الميلاد رغم المقاومة التي تعرضوا لها خصوصاً من دولة الأنباط العربية التي كانت تحكم في منطقة الأردن وفلسطين خلال هذه الفترة.

 

*الرومان يضمون معظم الوطن العربي إلى إمبراطوريتهم

   كانت بلاد المغرب هي أول مناطق الوطن العربي خضوعاً للرومان الذين تمكنوا من إخضاعها لسيطرتهم إثر صراع مرير خاضوه مع مدينة قرطاج التي مدت سيطرتها من تونس ليشمل بلاد المغرب العربي وفكر قائدها الشهير هانيبال (حنا بعل) في السيطرة على روما نفسها وانطلق بجيشه لتحقيق ذلك عابراً إسبانيا ثم فرنسا وبعد أن عبر جبال الإلب لمهاجمة روما كان جيشه قد أصيب بالإنهاك من جراء طول الطريق ووعورتها الأمر الذي مكن الرومان من القضاء عليه وإخضاع البلاد التي كان يحكمها لسيطرتهم، ثم اتجهوا بعد ذلك لإكمال سيطرتهم على ما تبقي من البلدان المطلة على البحر المتوسط فكان احتلالهم لسوريا(بلاد الشام) في مطلع القرن الأول قبل الميلاد ثم مصر في أواخر القرن نفسه،  ثم فكروا بالسيطرة على اليمن عبر واليهم في مصر يوليوس جالوس الذي جهز حملة لذلك  بقيادته عام (24ق.م) ولكنها باءت بالفشل نتيجة للمقاومة التي واجهتها في بلاد اليمن وعادت تجر اذيال الهزيمة من حيث أتت.

   وقد عمل الرومان على إخماد المقاومة العربية التي قامت ضد حكمهم حيث وقفوا إلى جانب اليهود في بلاد الشام ضد الدولة النبطية التي قادت صراع مرير ضد الطرفين انتهى مع الأسف بالقضاء عليها عام(106م) وضم المناطق التي كانت تحكمها إلى الدولة الرومانية.

   وهو المصير نفسه الذي لقته دولة تدمر العربية التي كان الرومان يعاملونها في بداية الأمر بصورة مميزة طالما كانت سياستها تدور في الفلك الروماني ولكن في عهد ملكتها الزباء (زنوبيا) تغير الأمر عندما بدأت هذه الملكة ببناء إمبراطورية تدمرية بصورة مستقلة عن السيطرة الرومانية حيث تعدت سيطرتها لتشمل بلاد الشام والاناضول ومصر وشمال الجزيرة العربية وغرب العراق، فما كان من الرومان إلا أن قاموا بالتوجه صوب تدمر وقضوا على هذه الدولة عام( 273م) بعد أن كبلوا ملكتها الشجاعة بالسلاسل وقادوها إلى روما لتزين موكب نصرهم، ومع ذلك ظلوا ينظرون إلى شجاعتها بإعجاب حيث وصفها الامبراطور الروماني الذي تولى مهمة القضاء عليها بأنها امرأة ولكنها  أرجل من كل الرجال.

 

*الصراع الساساني البيزنطي على المنطقة العربية

   وفي هذا الخضم ظهر في المنطقة العربية الفرس الساسانيين حيث تمكنوا من السيطرة على دولة الحضر العربية شمال بلاد الرافدين وضموها إلى دولتهم بعد أن أخذوا منها كل ما يمكن نقله وقاموا بأسر جميع سكانها ونقلوهم إلى العاصمة الفارسية ليكونوا عبيداً للفرس انتقاماً منهم لعدم قبولهم الخضوع لسيطرتهم والحكم في ظل التبعية لهم، وكما سجل التاريخ لنا بطولة الملكة الزباء وشجاعتها واستبسالها في رفع الضيم الروماني عن شعبها ورفضها لعروضهم بأن تستمر حاكمة في ظل تقديم الولاء لهم، فقد سجل لنا موقفاً آخر مغاير لامرأة أخرى هي الأميرة الحضرية النضيرة بنت الضيزن حيث ذكرت لنا كتب المصادر العربية أنها سهلت للملك الساساني سابور دخول مدينة الحضر والقضاء على والدها الملك مقابل أن يتزوجها الملك الساساني، وقد انتهى بها المطاف حسب ما ذكرت تلك المصادر بالقتل على يد زوجها- الذي خضبت يداه بدماء أبيها وقومها- خوفاً من أن تخونه كما خانت أبوها خصوصاً عندما علم منها مستوى الرفاهية والنعيم والعيش الرغيد الذي كان أبوها يوفره لها.

   وفي هذه الأثناء قامت دولة المناذرة في الحيرة حيث احتضنها الفرس الساسانيين عندما قبلت أن تكون مجرد دولة تابعة لهم، وبالمقابل دعم الرومان البيزنطين قيام دولة مماثلة في بلاد الشام هي دولة الغساسنة لتقوم معهم بنفس دور المناذرة للفرس، حيث دخلت الدولتان العربيتان في صراع مرير خدمة لأسيادهم الفرس والبيزنطيين الذين ما فتئوا يدعمونهم طالما وهم يبدون خضوعهم لهم، ولكنهم عملوا على القضاء على الدولتين في نهاية المطاف عندما لاحظوا أن بعض ملوكها بدأوا يتصرفون كأنداد لهم وليس كأتباع كما حدث مع الملكين الغسانيين الحارث بن جبلة وابنه المنذر في مواجهة البيزنطيين، وكذلك مع ملكي الحيرة المنذر بن ماء السماء والنعمان بن المنذر في مواجهة الفرس، حيث أنتهى الأمر بالأخير موتاً في البلاط الكسروي تحت أقدام الفيلة، ولم يكتف كسرى الفرس بذلك بل طلب من قبيلة شيبان العربية تسليمه نساء وأموال النعمان التي كان قد استودعها لديهم عندما علم بنية الملك الفارسي بالغدر به فما كان من هذه القبيلة الا أن رفضت ذلك.

   وقد أدت العنجهية التي تعامل بها الفرس في هذه الحادثة وغيرها من الحوادث التي اظهر فيها الفرس احتقاراً للعرب وعدم مبالاة بهم إلى ظهور دعوة لالتفاف القبائل العربية وتوحدها لمقاومة ذلك وكان ثمرة ذلك النصر الذي حققته مجموعة من القبائل العربية بزعامة قبيلة شيبان ضد الفرس في يوم ذي قار وكان كما قال عنه رسول الله  : أول يوم أستنصفت فيه العرب من الفرس.

*الأحباش وسيطرتهم على اليمن والجزيرة العربية

   إلى جانب الاحتلال الفارسي والبيزنطي الذي تعرضت له المنطقة العربية في هذه الفترة كانت قد ظهرت قوة استعمارية ثالثة تمثلت بالأحباش الذين مدوا سيطرتهم نحو الجزيرة العربية ابتداء من القرن الثاني الميلادي وساعدهم على ذلك عندما استعان بهم الملك السبئي علهان نهفان الهمداني ضد الحميريين ولكنهم سرعان ما بدأوا يعملون لمصلحتهم الخاصة كأي محتل وشرعوا في مد سيطرتهم على الأراضي اليمنية بما فيها أراضي دولة سبأ المستنجدة بهم الأمر الذي جعل الملك السبئي شاعرم أوتر بن علهان نهفان يعمل ضد سياسة أبيه ويعمل على توحيد الجبهة اليمنية في مواجهة الغازي لكنه لم يتمكن من دحرهم من اليمن تماماً حيث ظل الوجود الحبشي فيها إلى أواخر القرن الثالث الميلادي عندما أجلاهم عنها الملك الحميري شمر يهرعش الذي وحد اليمن كله تحت إمرته.

   وعندما بدأ الصراع والاختلاف يدب في أوصال الدولة الحميرية مطلع القرن السادس الميلادي أهتبل الأحباش الفرصة من جديد متدثرين بثوب الدين هذه المرة - وما أكثر ما استخدم الغزاة عبر التاريخ هذه الذريعة- حيث اكتسحوا اليمن في احتلالهم الشهير عام(525 م) وقضوا تماماً على الدولة الحميرية، وعملوا على مد سيطرتهم نحو شمال الجزيرة في نجد والحجاز‘ وقد سجل القرآن الكريم حملتهم على مكة المكرمة عام (570 م) التي باءت بالفشل، ورغم المقاومة التي قادها ثوار اليمن ضد الأحباش إلا أنهم قد استمروا في احتلالهم نصف قرن من الزمان حتى تمكن سيف بن ذي يزن من طردهم منها عام(575 م) بمعاونة الفرس الذين سرعان ما عملوا على التخلص منه وجعلوا اليمن مجرد ولاية فارسية واستمروا على ذلك الحال حتى ظهور الإسلام وإعلان واليهم في اليمن باذان إسلامه.

   عملت الدولة الإسلامية الناشئة من أجل تحرير الأراضي العربية من سيطرة الفرس والبيزنطيين حيث دحرت الفرس من العراق ، ودحرت البيزنطيين من بلاد الشام ومصر والمغرب العربي، ثم امتدت دولة الخلافة الإسلامية في أوج اتساعها لتشمل المنطقة الممتدة من الصين شرقاً إلى فرنسا غرباً، وكانت الدولة الأقوى والأكبر في حينه.

 

*الصلبيون والتتار..همج الغرب والشرق يعيثون فساداً في ديار العرب

   عندما دب الصراع والخلاف بين شعوب الدولة الإسلامية من عرب وفرس وأتراك في العصر العباسي الثاني، وتقلصت سيطرة العرب لصالح الفرس والأتراك الذين أصبح الخلفاء ألعوبة في أيديهم بدأت القوى الاستعمارية القادمة من الغرب والشرق في اكتساح أراضيها، حيث سيطر الصليبيون القادمين من أوروبا- بدعوى تحرير بيت المقدس من المسلمين- على بلاد الشام ومصر وشمال العراق، ومارسوا أفظع الجرائم في حق العرب المسلمين ولم يسلم منهم حتى حجاج بيت الله الحرام الذين قتلوهم وهم في طريقهم إلى الأراضي المقدسة، وقد تزعم نور الدين زنكي عملية المقاومة ضدهم ومن بعده تولاها صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر عليهم في معركة حطين عام(1187 م) وتمكن من دحرهم من بيت المقدس، واستمرت مقاومة المسلمين لهم حتى عادوا من حيث أتوا.

   وفي هذه الأثناء كان العالم الإسلامي يتعرض لموجة احتلال همجية جديدة قادمة من وسط آسيا ممثلة بالتتار(المغول) الذين اكتسحوا عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد وعاثوا فيها فساداً ، وكان من أبشع جرائمهم قيامهم بنهب مكتبات بغداد وإلقاء ما فيها من كتب في نهر دجلة، وقاموا بارتكاب الفظائع في حق العرب والمسلمين الأمر الذي بث الرعب والهلع بين صفوفهم وملأ قلوبهم ضعفاً واستسلاماً ، لكن الأمة ما لبثت أن استعادت وعيها بفضل علمائها الذين عملوا على استنهاض همم الناس ، وكان في مقدمة الصفوف العز بن عبد السلام ، وكانت النهاية الطبيعية لذلك متمثلة في الانتصار الكبير الذي حققه المسلمين على التتار في معركة عين جالوت عام(1259 م) ومن بعدها توالت انتصارات المسلمين عليهم حتى طردوا مثلهم مثل غيرهم من السابقين لهم.

 

*سقوط الأندلس وظهور العثمانيين

   كانت دولة الخلافة الأموية في الأندلس شيدت حضارة مجيدة في عهد حكامها الأوائل ، لكن الصراعات العرقية بين سكانها المسلمين من عرب وبربر وصقالبة قد أدت إلى ضعف الدولة وتفككها إلى دويلات صغيرة وضعيفة فيما عرف بعصر الطوائف، الأمر الذي مكن الإسبان بمساعدة الأوربيين من القضاء عليها واحدة تلو الأخرى بعد أن أججوا الخلافات فيما بينها، وكانت نهاية المطاف دخول الإسبان إلى غرناطة عام(1492 م) ومارسوا في حق المسلمين صنوف أنواع العذاب الجسدي والفكري، وأقاموا لهم محاكم التفتيش الرهيبة التي انطلقت من تعصب أعمى مقيت بحيث شملت حتى محاكمة النوايا.

   وقامت في الأندلس إثر ذلك دولتان هما إسبانيا والبرتغال الذين بدأوا يعملون من أجل السيطرة على البلدان العربية فهاجم الإسبان بلاد المغرب العربي بينما اتجه البرتغاليون شرقاً- بعد ان تمكنوا من اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح - وهاجموا اليمن ومنطقة الخليج العربي وبدأوا يخططون للسيطرة على الحرمين الشريفين. وهنا تنبه العثمانيون للخطط البرتغالية فأوقفوا زحفهم نحو أوربا الذي كان قد وصل إلى أبواب فينا وقرروا الاتجاه نحو الوطن العربي لصد البرتغاليين والإسبان، وقد تمكنوا من انتزاع بلاد الشام من أيدي المماليك عام(1516م) ثم توالت فتوحاتهم في مصر والعراق واليمن وبلاد المغرب العربي، حيث أصبح الوطن العربي جزءً من الدولة العثمانية التي تمكنت من إيقاف الزحف الاستعماري الأوربي ضد الوطن العربي.

*تقاسم تركة (الرجل المريض) في الوطن العربي بين الدول الأوربية

   عندما ضعفت الدولة العثمانية بدأت الدول الأوربية في التأمر عليها وأطلقت عليها إسم الرجل المريض وخططت لتقسيم أملاكها فيما بينها، وكانت فرنسا السباقة لمهاجمة مصر أواخر القرن الثامن عشر الميلادي الأمر الذي أثار حفيظة الدول الأوربية الأخرى وبدأت تعمل من أجل الحصول على جزء من الكعكة العربية، حيث تقاسمت الوطن العربي فيما بينها خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الميلادي، وكان لبريطانيا وفرنسا حصة الأسد حيث سيطرت بريطانيا على مصر والسودان والعراق والأردن وفلسطين وجنوب اليمن وعمان وإمارات الخليج العربي، أما فرنسا فقد سيطرت على الجزائر وتونس والمغرب وسوريا ولبنان، وكانت ليبيا من نصيب إيطاليا، أما إسبانيا فقد سيطرت على ريف المغرب وصحرائه.

   وكان دخول الاستعمار الأوروبي إلى الوطن العربي على أشلاء كثير من أبنائه الذين استبسلوا في صده ودفعوا دمائهم رخيصة على ثراه الطاهر ، وقد سجل لنا التاريخ أروع البطولات التي ضربها المقاومين العرب بقيادة رموز تاريخية ستظل تتناقلها الأجيال بفخر واعتزاز مثل: عبد القادر الجزائري وأحمد عرابي ويوسفكم العظمة وعمر المختار وعبد الكريم الخطابي وغيرهم.

   وقد امتدت المقاومة من بعدهم حيث تأسست حركات التحرير المنظمة في كل البلاد العربية وكان لها الفضل من بعد الله في دحر الاستعمار وتحرير الدول العربية واحدة تلو الأخرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين. 

*إسرائيل والاستعمار الجديد

   لم يرحل الاستعمار عن الوطن العربي إلا بعد أن زرع إسرائيل في قلبه فلسطين، حيث دخلت الدول العربية في صراع مع هذا الكيان الهجين الذي اعترفت به الدول الاستعمارية فور ولادته عام (1948م) وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي زعماء العالم الجدد الذين ما لبثوا أن دخلوا في صراع هدفه الهيمنة على العالم والسيطرة على مقدراته ، وكان الوطن العربي على رأس مخططاتهم نتيجة لموقعه الاستراتيجي الفريد وثروته البترولية الكبيرة، وقد انقسمت الدول العربية ووزعت ولاءها بين الطرفين الأمر الذي أنعكس على قضايا الأمة وجعل الأنظمة العربية في مواجهة بعضها، حيث تم القضاء على كل المحاولات العربية في الوحدة خصوصاً تلك التي تبناها الزعيم العربي جمال عبدالناصر.

   وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه المعسكر الشيوعي وظهور عالم القطب الواحد كان الوطن العربي والعالم الإسلامي هما الخاسر الأكبر من ذلك نظراً لتبني زعماء العالم الجدد لفكرة صراع الحضارات ، واعتبار العرب والمسلمين هم العدو الجديد للحضارة الغربية بعد انهيار الشيوعية. وكان نتيجة ذلك حتى الآن سقوط بعض الدول العربية تحت هيمنة قوى إقليمية ودولية، إلى جانب انهيار العديد من الدول العربية الأخرى، وصارت بحار العرب ومجالهم الجوي أرض مشاع لأساطيل المستعمرين الجدد الجوية والبحرية متعددة الجنسيات، وقد أصبحنا نعيش في وضع مشابه لما كان سائداَ في عهد التتار بكل فظائعه الدموية والفكرية والرعب الذي ملأ القلوب.. فهل يؤول هذا العصر إلى ما آل إليه عصر سيطرة التتار وينبثق عصر جديد من رحم هذا العصر المظلم؟؟.. ذلك ما عودنا عليه التاريخ وتلك سنة الله في أرضه (وتلك الأيام نداولها بين الناس) ولكن بشروط (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (وكيفما تكونوا يولى عليكم).. وتلك هي البداية.


شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها